مال وأعمال

ألمانيا تتصدّع.. كيف تسرق الصين تاج الصناعة الأوروبية؟

نشر
blinx
لم تعد عبارة "المحرّك الصناعي لأوروبا" تعبّر بدقّة عن واقع ألمانيا اليوم. فبحسب فايننشال تايمز، بدأت الصدوع تظهر في أكثر القطاعات صلابة: شركة Trumpf، رمز الصناعة الألمانية المتوسطة (Mittelstand)، تسجّل أول خسارة منذ الأزمة المالية، وبلدية ديتسينغن الصناعية تعلن تقشّفًا قاسيًا بعد انهيار عائداتها الضريبية بنسبة 80٪ منذ 2023.
الأزمة لم تعد دورة اقتصادية عابرة، بل تحوّل هيكلي يتغذّى من ٣ مسارات متزامنة:
  • ضغط الرسوم الأميركية،
  • المنافسة الصينية المتسارعة،
  • والبيروقراطية الأوروبية الثقيلة.
وبينما تَعِدُ برلين بخطة تريليون يورو لإحياء الصناعة، تُحذّر روما وباريس من أنّ القارة بأكملها تواجه خطر الانحدار الصناعي ما لم تُغيَّر القواعد من الأساس.

أزمة هيكلية تتكشّف في قلب ألمانيا

تقول فايننشال تايمز إنّ أكبر اقتصاد أوروبي يعيش عامه الـ٤ من الركود، وإنّ شركاته العائلية، التي شكّلت عمود "المعجزة الاقتصادية" بعد الحرب تواجه الآن تراجع الطلبات للعام الثالث على التوالي.
انخفضت مبيعات Trumpf بنسبة 16٪ إلى 4.3 مليارات يورو، بينما عاد الإنتاج الصناعي الألماني إلى مستوى عام 2005.
ويصف خبراء من Porsche Consulting وRoland Berger الأزمة بأنّها "تحوّل بنيوي لا دوريا"، بعدما تحوّلت نقاط قوة ألمانيا التقليدية، كضخامة قاعدة التصنيع واعتمادها على التصدير، إلى عبء في زمن تفكّك العولمة.

الصين تسبق.. وألمانيا تتراجع

منذ مطلع 2025، سجّلت ألمانيا عجزا تجاريا في السلع الرأسمالية مع الصين للمرّة الأولى منذ 2008، وفق فايننشال تايمز.
يقول الخبير سبيروس أندريوبولوس إنّ "الصين تهزم ألمانيا في لعبتها الخاصة"، أسعار المعدّات الصناعية الصينية أرخص بنحو 30٪ من الأوروبية، والفجوة في الجودة تضيق بسرعة. كما تضاعفت صادرات الصين من الآلات إلى أوروبا لتبلغ نحو 40 مليار يورو، وقد تصل إلى 50 مليارا بنهاية العام.
حتى شركات السيارات الفاخرة، أودي وبورشه ومرسيدس، بدأت تشعر بالضغط، بينما يتطلّب التحوّل إلى المركبات الكهربائية شطب خبرة 140 عاما في محركات الاحتراق الداخلي.

رسوم أميركية تضاعف الكلفة وتخنق التصدير

أضافت السياسات الأميركية ضربة ثانية إلى الهيكل الصناعي الألماني.
فبحسب فايننشال تايمز، وسّعت واشنطن الرسوم الجمركية بنسبة 50٪ على أكثر من 400 منتج، من المضخّات إلى مكوّنات السكك الحديدية.
يقول برنهارد كرونه، رئيس Krone Group، إنّ كلفة الآلات الزراعية ارتفعت 25 ألف دولار لكل وحدة تُباع في السوق الأميركية، ما أدّى إلى وقفٍ مؤقت للإنتاج.
وبين ضغط الأسعار الصيني من الشرق، والرسوم الأميركية من الغرب، تجد ألمانيا نفسها محاصَرة بين قوتين تتحكّمان في قواعد اللعبة.

تعافٍ خجول لا يبدّد القلق

تشير بيانات رويترز وبلومبرغ إلى أنّ الإنتاج الصناعي ارتفع 1.3٪ في سبتمبر، أقلّ من التوقّعات البالغة 3٪، رغم قفزة 12.3٪ في إنتاج السيارات. ووصفت وزارة الاقتصاد الألمانية الاتجاه العام بأنّه "ضعيف بلا مؤشرات على انتعاش أساسي".
ويؤكّد كارستن برزِسكي من ING أنّ "التحفيز المالي لن يعالج نقاط الضعف البنيوية"، فيما حذّر المستشار ميرتس في تصريحات نقلتها بلومبرغ من أن بوادر الانفراج "حذرة وغير كافية".
ومع ذلك، يعلّق البعض الآمال على الإنفاق الدفاعي الأوروبي المتزايد الذي قد يخلق طلبا جديدا، لكن وفق فايننشال تايمز لا يشكّل هذا القطاع سوى 2٪ من وظائف الصناعة الألمانية.

خطة ميرتس التريليونية تحت الاختبار

أطلق فريدريش ميرتس خطة استثمارية بقيمة تريليون يورو على ١٠ سنوات لتحديث البنية التحتية ودعم الجيش وتخفيف قيود الدين، وفق فايننشال تايمز.
لكنّ منتقدين يرون أنّ الحكومة تستخدم الديون لتمويل الإنفاق الاجتماعي بدلا من الاستثمار الإنتاجي، وأن التنفيذ بطيء على مستوى البلديات التي تفتقر إلى القدرة على الاقتراض.
وفي بلدية ديتسينغن، أُلغيَت مشاريع بقيمة 35 مليون يورو تشمل محطات إطفاء وطرقات ودراجات، بحسب أمين الخزينة باتريك ماير، الذي قال "القصة نفسها تتكرّر في كل المدن".

نداء ثلاثي لإنقاذ القارة

من روما، نقلت Agenzia Nova عن منظمات Confindustria وBDI وMedef أنّ أوروبا تقف عند "مفترق طرق"، مطالبة الاتحاد الأوروبي بتبسيط القواعد التنظيمية واستكمال السوق الموحدة وتنفيذ أجندة Omnibus لخفض الأعباء البيروقراطية.
البيان شدّد على أنّ إزالة الكربون يجب أن تكون أداة تنافسية لا عبئا، وأنّ الحياد التكنولوجي يقتضي الاعتراف بأدوار الطاقة النووية، والمتجددة، والغاز، والهيدروجين.
كما دعا إلى تعزيز السيادة الرقمية والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنى التحتية الرقمية، محذرا من أنّ "فقدان التنافسية يعني فقدان الرفاهية والأمن الأوروبي".

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة