مال وأعمال

من إنفيديا إلى بيتكوين.. لماذا يتقلب الاقتصاد بهذه الحدة؟

نشر
Camil Bou Rouphael
تتدفّق خلال الأسابيع الأخيرة إشارات متناقضة تربك الأسواق والمستهلكين معًا.
  • أرباح شركات الذكاء الاصطناعي تصل إلى مستويات تاريخية
  • البورصات تتأرجح بعنف
  • العملات المشفّرة تهوي
  • وتستمر شكاوى الطبقة الوسطى من تكاليف المعيشة التي ترتفع بلا توقف.
التقارير ترسم مشهدًا غير مستقر: اقتصاد يلمع في المؤشرات، لكنه يرهق الناس في حياتهم اليومية.

نتائج إنفيديا تلهب السوق.. ثم تسحقه في ساعات

في أسواق الأسهم، حملت نتائج إنفيديا واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا. فقد ارتفع سهم الشركة بما يصل إلى 5% قبل أن يعكس مساره وينهي الجلسة منخفضًا 3.2%، بينما تراجع مؤشر ناسداك من مكاسب بلغت 2.6% صباحًا إلى خسائر تجاوزت 2.1% عند الإغلاق، وفق ما ذكرت سي إن بي سي.
وشهد مؤشر S&P 500 المسار نفسه، إذ صعد 1.9% ثم هبط 1.56%.
أما داو جونز، فأغلق منخفضًا 0.84% بعد موجة صعود أثناء التداول.
وأسهم شركات مثل Oracle وAMD اتبعت المسار نفسه، ما يعكس حساسية المستثمرين من أي تطور يمس القطاع.
تقرير وول ستريت جورنال أشار إلى أن نتائج إنفيديا القوية، التي رفعت مبيعات رقائق مراكز البيانات بنسبة 62%، أشعلت موجة صعود حادة صباحا قبل أن ينهار كل شيء.
فالتقلبات التي ضربت الأسواق جاءت في أكبر تراجع للمكاسب intraday (أي نشاطات التداول التي تحدث وتُستكمل خلال يوم التداول نفسه) منذ اضطرابات أبريل المرتبطة بالرسوم الجمركية.
وترافق ذلك مع ارتفاع مؤشر التقلب "فيكس" بنحو 12%، وتراجع بيتكوين إلى أدنى مستوى له منذ أبريل.

"فقاعة"؟.. استثمارات خيالية وقروض هائلة

في الخلفية، تستمر النقاشات حول فقاعة محتملة في الذكاء الاصطناعي. تقرير نيويورك تايمز أشار إلى أن شركات مثل OpenAI وAnthropic تملك تقييمات بمئات المليارات رغم أنها غير مربحة، بينما تضخ عشرات المليارات في مراكز بيانات جديدة.
أما OpenAI وشركات أميركية أخرى، فتستعد لاستثمارات تبلغ 500 مليار دولار، وهو ما وصفته نيويورك تايمز بأنه يعادل تمويل مشروع مانهاتن 15 مرة.
وتشير تقديرات مورغان ستانلي، التي نقلتها الصحيفة نفسها، إلى أن الشركات والحكومات ستنفق نحو 3 تريليونات دولار على مراكز البيانات بحلول 2028، مع اقتراض يقارب تريليون دولار لتمويلها.
حتى إنفيديا نفسها تواجه هذا المناخ القلق.
ففي تسجيل داخلي كشفت عنه بيزنس إنسايدر، قال الرئيس التنفيذي جنسن هوانغ إن "السوق لم تقدّر نتائجنا"، مضيفًا أن الشركة أصبحت في موقف "مستحيل الفوز فيه": إذا جاءت النتائج ضعيفة، فهذا يعني وجود فقاعة. وإذا جاءت قوية، فهذا يعني أنها تغذي الفقاعة.
وعلّق هوانغ ساخرًا على الخسائر التي محَت 500 مليار دولار من قيمة الشركة خلال أسابيع، قائلًا: "لا أحد في التاريخ خسر 500 مليار دولار بهذه السرعة. عليك أن تكون ضخمًا جدًا لتخسر هذا الرقم".

بيانات الوظائف الأميركية تزيد الضبابية بدل إزالتها

التقلبات المرتبطة بأسهم الذكاء الاصطناعي ليست منفصلة عن البيانات الاقتصادية. فقد كشف تقرير الوظائف الأميركية لشهر سبتمبر، الذي صدر بعد تأخير بسبب الإغلاق الحكومي، إضافة 119 ألف وظيفة مقابل تقديرات عند 50 ألفًا فقط.
لكن معدل البطالة ارتفع إلى 4.4%، وهو الأعلى في نحو ٤ سنوات، وفق سي إن بي سي.
تقرير وول ستريت جورنال قال إن هذه الأرقام زادت حيرة المستثمرين، لأنها تعكس سوقًا غير واضحة الاتجاه، وتقلّص فرص خفض أسعار الفائدة في ديسمبر.
وأشارت بيانات CME FedWatch إلى أن توقعات الخفض تراجعت من 99% قبل شهر إلى نحو 30-40% فقط.
وفي ظلّ هذا التخبط، تراجع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.105%.

سقوط العملات المشفّرة يضاعف قلق المستثمرين

التوتر نفسه ينعكس في سوق العملات المشفّرة. فقد ذكرت رويترز أن بيتكوين هبطت إلى 85,350 دولارا، وهو أدنى مستوى في سبعة أشهر، بينما تراجعت الإيثريوم إلى قاع ٤ أشهر عند 2,777 دولارًا.
وتقول بيانات CoinGecko التي نقلتها رويترز إن 1.2 تريليون دولار محيت من القيمة السوقية للعملات المشفرة خلال ٦ أسابيع.
كما حذرت شركة CryptoQuant من أن ظروف السوق الحالية هي "الأكثر تشاؤمًا منذ بداية دورة الصعود في يناير 2023".
وتزامن هذا التراجع مع انخفاض أسهم شركات الاحتفاظ بالعملات الرقمية، ومنها MicroStrategy التي هبطت 11% هذا الأسبوع، وMetaplanet اليابانية التي فقدت 80% من قيمتها منذ يونيو.

الطبقة الوسطى الأميركية.. أسعار مرتفعة وميزانيات منهكة

بعيدًا عن الأسواق، ينعكس القلق بشكل أقسى على ملايين الأسر. تقرير وول ستريت جورنال حول الطبقة الوسطى الأميركية أكد أن الأسعار ارتفعت 25% منذ 2020، بينما ما يزال التضخم يسجّل مستويات مؤلمة في قطاعات أساسية مثل اللحوم والقهوة وإصلاح السيارات.
العديد من الأسر باتت تتخلى عن عطلاتها وتقلّص نفقاتها إلى الحد الأدنى.
الصحيفة عرضت أمثلة لنساء يعملن لساعات طويلة من دون أن ينجحن في مواكبة التكاليف: مديرة اتصالات جامعية اضطرت إلى خفض تغطيتها التأمينية، وموظفة في كونيتيكت تجلس في الظلام لتخفيف فاتورة الكهرباء، ومعلمة من فرجينيا تعمل ليلًا ونهارًا ولا تستطيع زيادة مدخراتها التقاعدية إلا بحدود قليلة.
أما نيويورك تايمز، فأشارت إلى أن 76% من الأميركيين ينظرون إلى الاقتصاد نظرة سلبية، بحسب استطلاع فوكس نيوز.
ورغم قوة أرباح الشركات الكبرى، وتحديدًا في قطاع التكنولوجيا، يشعر الناس بأن دخولهم الحقيقية تتراجع مع ارتفاع تكلفة الحياة.
وتقول الصحيفة إن شركات مثل Target وHome Depot سجّلت تراجعًا في المبيعات، بينما حققت Walmart مبيعات قوية نتيجة انتقال المستهلكين ذوي الدخل المتوسط إليها بحثًا عن الأسعار الأرخص.

اقتصادات آسيا تتأثر.. رغم تحفيزات اليابان وصعود سنغافورة

المشهد العالمي ليس أقل تعقيدًا. فقد أعلنت اليابان عن حزمة تحفيز بقيمة 135 مليار دولار لتعزيز الاقتصاد ومواجهة التضخم، بينما رفعت سنغافورة توقعات نموها للعام 2025 إلى 4%، مستندة إلى مرونة الاقتصاد العالمي، وفق سي إن بي سي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، تستمر الأسواق في آسيا بالتراجع متأثرة بالخسائر الأميركية. وانخفضت أسهم شركات مثل SoftBank بأكثر من 10%.

الصورة.. اقتصاد بوجهين

في النهاية، تعكس التقارير مجتمعة اقتصادًا مزدوج الصورة:
  • من جهة، شركات عملاقة تحقق أرباحًا قياسية وتضخ مئات المليارات في سباق الذكاء الاصطناعي. ويشعر المستهلكون بأن حياتهم المعيشية تزداد صعوبة.
  • ومن جهة ثانية، أسواق تتأرجح بين التفاؤل والقلق مع كل خبر. وبحسب نيويورك تايمز، فإن كثيرين "لن يشعروا بأن الاقتصاد جيد قبل أن يعودوا قادرين على تحمّل تكاليف حياتهم".

حمل التطبيق

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة