مال وأعمال

الباحث الذي باع حياده.. قصة الطبيب الذي خدم لوبي الـvapes

نشر
blinx
في أروقة المؤتمرات العلمية وأبحاث الجامعات، يتشكل الرأي العام حول السياسات الصحية والبيئية بناء على ما يقوله العلماء، لكن خلف الأرقام والمعادلات، يمكن أحيانا أن تختبئ مصالح اقتصادية هائلة تغير وجه الحقيقة.
وفي قلب هذا الجدل، يقف اسم كونستانتينوس فرسالينوس، الطبيب اليوناني الذي تحول من باحث أكاديمي في أمراض القلب إلى أحد أبرز الوجوه في لوبي صناعة النيكوتين، كما كشفت صحيفة لوموند في تحقيق استقصائي حديث.

لوموند تكشف العالم الذي خدم لوبي النيكوتين

بحسب تحقيق لوموند، تلقى فرسالينوس، الباحث في جامعتي باتراس وغرب أتيكا باليونان، آلاف اليوروهات من شركة جول، Juul، إحدى كبرى شركات السجائر الإلكترونية، عبر شركة أوفشور سرية.
ورغم أنه نشر أكثر من 100 دراسة أكاديمية في مجال تقليل أضرار التدخين، لم يفصح عن هذه المدفوعات في أبحاثه اللاحقة حول النيكوتين والسجائر الإلكترونية، ما يعد تضاربا في المصالح، وفقا للصحيفة.
لعب فرسالينوس دورا محوريا في ترويج فكرة "تقليل المخاطر" عبر استبدال التدخين التقليدي بالنيكوتين الإلكتروني، وهي فكرة تقول لوموند إن شركات التبغ استغلتها لإعادة تسويق منتجاتها في ثوب "صحي".
وتشير الصحيفة إلى أن منظمة الصحة العالمية تعتبر هذه المقاربة انحرافا متعمّدا عن هدف الصحة العامة، لأن الصناعة تستخدم خطاب "الوقاية" لتوسيع السوق بدل تقليص الضرر.

من "الهوودي الرمادي" إلى وادي السيليكون

غير أنّ قضية فرسالينوس ليست سوى مثال واحد على ظاهرة أوسع، حيث تتقاطع المصالح الصناعية مع البحث الأكاديمي في مجالات متعددة، من الطب إلى التكنولوجيا.
في دراسة بعنوان "مشروع السترة الرمادية: شركات التبغ الكبرى، وشركات التكنولوجيا الكبرى، والتهديد الذي يواجه النزاهة الأكاديمية"، قدّم الباحثان محمد ومصطفى عبد الله من جامعتي تورونتو وهارفارد مقارنة لافتة بين شركات التبغ القديمة وعمالقة التكنولوجيا الحديثة.
تبيّن الورقة أن شركات التكنولوجيا تتبع أساليب مشابهة لتلك التي استخدمتها شركات السجائر في خمسينيات القرن الماضي، من خلال تمويل أبحاث أكاديمية وتنظيم مؤتمرات تبدو "علمية" لكنها تُستخدم لإعادة تلميع صورتها وتوجيه النقاش العام حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً للدراسة، فإن شركات مثل غوغل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت تمول مختبرات وجامعات وبرامج زمالة تتناول "الذكاء الاصطناعي الأخلاقي"، بينما تبقي سياساتها التجارية غير الشفافة بعيدا عن النقد.
وتشير الورقة إلى أن هذه الشركات لا تكتفي بتمويل المؤسسات، بل تؤثر في أسئلة البحث العلمي نفسها، وتكتشف الأكاديميين "المتقبّلين" لوجهات نظرها لتجنيدهم في شبكات النفوذ العلمي.
ويحذر الباحثان من أنّ هذا النمط يعيد إنتاج "تاريخ التبغ" في ثوب رقمي، حيث يصبح المال أداة لتوجيه القيم الأكاديمية، تماما كما استخدمت شركات السجائر أبحاث "الحدّ من المخاطر" لإخفاء أضرار منتجاته.
يستعير الباحثان محمد ومصطفى عبد الله في دراستهما عنوان "الهوودي الرمادي" كرمز لعصر جديد من النفوذ الصناعي المقنع داخل الجامعات. فبعد أن كان النفوذ في القرن الماضي يجسد في صورة رجل الأعمال مرتديا "البدلة الرمادية" داخل مكاتب شركات التبغ أو النفط، أصبح اليوم يتخذ شكل مهندس شاب يرتدي سترة "هوودي" رمادية في مكاتب غوغل وفيسبوك وأمازون ومايكروسوفت.

كيف يصوغ التمويل العلمي مسار الأبحاث؟

في مراجعة شاملة نشرتها American Journal of Public Health، خلصت الباحثة آنا فابري وزملاؤها إلى أنّ الدعم المالي من القطاع الخاص يعد أحد أبرز المحددات الخفية لاتجاهات البحث العلمي.
تبين المراجعة أنّ تمويل الشركات يوجه الباحثين نحو مواضيع تخدم مصالح الممولين، فيهمل البحث في المجالات التي قد تضر بعائداتهم أو سمعتهم. كما تلاحظ أنّ النتائج الممولة من الصناعة تكون في الغالب أكثر ميلا لإيجاد نتائج إيجابية تخدم المنتج أو التقنية قيد الدراسة.

"إكسون موبيل".. حين يعرف العلماء

أما المثال الأكثر شهرة في تسييس العلم، فهو ما كشفته دراسة جامعة هارفارد عام 2023 عن شركة إكسون موبيل.
أظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Science، أنّ علماء الشركة تنبؤوا منذ سبعينيات القرن الماضي بارتفاع حرارة الأرض بمعدل 0.2 درجة مئوية لكل عقد، بدقة "صادمة"، بحسب وصف الباحثين.

السجائر الإلكترونية أخطر من السجائر التقليدية (أ.ف ب)

لكن بدل أن تستخدم الشركة هذه النتائج لتحذير العالم، اختارت تمويل حملات تشكيك في علم المناخ، وفق ما وثقته دراسة لاحقة في مجلة One Earth، التي أوضحت كيف استبدلت إكسون موبيل لغة العلم بلغة العلاقات العامة، فصورت التغير المناخي على أنه "مخاطرة" محتملة لا "واقعا" قائما.
هذا التحول اللغوي، من "الخطر المؤكد" إلى "المخاطرة المحتملة"، مكن الشركة من إلقاء المسؤولية على المستهلكين عبر ما سماه الباحثون Fossil Fuel Savior frame، أي أن الوقود الأحفوري يبقى ضروريا لتقدم البشرية، وأن اللوم يقع على طلب المستهلك لا على من ينتجه.

حمل التطبيق

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة