ودائع لبنان: 100 ألف $ خلال 4 سنوات.. من يدفع الـ70 مليارًا؟
تتحرك الحكومة اللبنانية في واحدة من أكثر الملفات حساسية منذ الانهيار المالي عام 2019.. كيف تُعاد أموال المودعين التي جُمّدت في البنوك، ومن يتحمل الخسائر الضخمة المقدّرة بعشرات المليارات من الدولارات.
في قلب هذا الجدل يقف مشروع قانون مصرفي جديد أثار انقساما سياسيا وماليا واسعا، وسط تحذيرات من أنه قد يعرقل مسار الإصلاحات المطلوبة للتوصل إلى اتفاق تمويل مع صندوق النقد الدولي، بحسب ما ورد في تقرير نشرته صحيفة
فايننشال تايمز.
قانون في قلب خطة الإنقاذ.. وإرث انهيار غير مسبوق
بحسب فايننشال تايمز، يأتي مشروع القانون المصرفي كأهم بند إصلاحي طرحته حكومة رئيس الوزراء نواف سلام منذ توليها السلطة، في إطار تعهدها بإعادة هيكلة القطاع المصرفي والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بعد إخفاق حكومات سابقة في ذلك.
صنّف البنك الدولي الانهيار الذي بدأ عام 2019، نتيجة شح العملات الأجنبية وسياسات مالية ونقدية طويلة الأمد، كواحد من أسوأ الأزمات عالميا خلال نحو قرنين.
كانت التداعيات واسعة حيث فقدت العملة المحلية أكثر من 90٪ من قيمتها، تخلّفت الدولة عن سداد ديونها، وقيّدت البنوك وصول المودعين إلى ودائعهم.
وبعد أكثر من ٦ سنوات، لا يزال الخلاف قائما بين وزارة المالية والمصرف المركزي والقطاع المصرفي حول توزيع خسائر الأزمة المقدرة بنحو 70 مليار دولار، وتحديد الجهة التي تتحمل الحصة الأكبر منها.
وتشير الصحيفة إلى أن مشروع القانون يُعد ركنا أساسيا ضمن شروط صندوق النقد لأي برنامج تمويل، لأنه يحدد آلية سداد ودائع مئات آلاف المودعين الذين جُمّدت أموالهم خلال الأزمة.
كيف تُسدد الودائع؟ أرقام الخطة ومصدر الأموال
تنقل فايننشال تايمز أن مشروع القانون يقترح سداد ما يصل إلى 100 ألف دولار لكل مودع خلال ٤ سنوات. وتُقسم كلفة هذا السداد بحيث يساهم المصرف المركزي بنسبة 60٪، والمصارف التجارية بنسبة 40٪.
أما أصحاب الودائع الكبيرة، فسيحصلون، وفق المقترح، على أوراق مالية يصدرها المصرف المركزي، مدعومة بإيرادات أصوله أو عوائد تصفيتها، على أن تستحق خلال فترة تتراوح بين 10 و20 سنة حسب حجم الوديعة، مع مساهمة المصارف التجارية بخُمس هذه المدفوعات.
قال وزير المالية ياسين جابر للصحيفة إنه في حال أُجبرت الدولة على تحمّل جزء كبير من الفاتورة، فإن العبء سيقع على دافعي الضرائب، مضيفا أن أولوية الخطة، بالتوافق مع صندوق النقد، هي صغار المودعين، وأن نحو 85٪ من الحسابات سيجري سدادها بالكامل خلال السنوات الـ٤ الأولى.
لكن الخلاف لا يقتصر على النسب، بل يشمل ترتيب تحميل الخسائر: هل تُستنزف رساميل البنوك أولا؟ أم تُطبّق الاقتطاعات على الودائع قبل ذلك؟ وهي نقطة يعتبرها صندوق النقد أساسية في تقييمه للخطة.
اعتراضات المصارف وصندوق النقد.. ومخاطر تعثر الاتفاق
تصف الصحيفة مشروع القانون بأنّه الأكثر إثارة للجدل بين حزم الإصلاح، لأنه يفرض على مساهمي البنوك تحمّل خسائر، ويعترف عمليا بأنّ جميع الودائع لن تُسترد بالكامل، وهو أمر تعتبره أطراف سياسية "سامّا" شعبيا.
حذّرت جمعية المصارف في لبنان من أن المشروع يهدد وجود القطاع المصرفي نفسه، وقالت إن المنطق الذي يعتمده يقود إلى "تصفية" القطاع، ويضرب الثقة، ويمحو رساميل البنوك، ويُحمّل كبار المودعين العبء الأكبر، من دون ضمانات كافية بشأن قيمة الأوراق المالية أو مواعيد سدادها.
في المقابل، يشير التقرير إلى أن صندوق النقد الدولي غير راض عن الصيغة الحالية، ويرى أنها لا تضمن بقاء الدولة قادرة على تمويل الخدمات العامة والوفاء بديونها. كما يعترض على بنود تلزم الدولة بإعادة رسملة المصرف المركزي إذا لزم الأمر، محذرا خبراء من أن ذلك قد يخلق دينا عاما إضافيا كبيرا ويعيد خطر التعثر.
وتضيف فايننشال تايمز أن الانقسام السياسي واضح حيث سيدفع بعض النواب لتعديلات تُرضي صندوق النقد، بينما سيسعى آخرون لتعديلات تتماشى مع موقف المصارف والمصرف المركزي.
ونقلت عن وزير المالية تحذيره من أن تلبية مطالب المصارف والمصرف المركزي بشكل كامل قد تؤدي إلى "قتل اتفاق" صندوق النقد في البرلمان.