المدينة المحاصرة.. أوكرانيا تخوض معركتها الأصعب
بعد أيّام من تصريحات روسيا أن قواتها تتقدم نحو وسط مدينة بوكروفسك الأوكرانية على غرار حركة الكماشة، وسط نفي من كييف، أقرّ النائب الأوكراني، أوليكسي غونتشارينكو، على منصة تلغرام الثلاثاء: "نحن نخسر بوكروفسك"، مضيفا "لقد اقتحم الروس المدينة".
ونشر مقطع فيديو غير موثق يُظهر قوات روسية تدخل المدينة، تحت غطاء من الضباب، يرافقها تشكيلة متنوعة من الدراجات النارية والعربات والسيارات.
ومع ذلك، فإنّ اللقطات تزيد من المخاوف المتزايدة من أن مركز الإمداد والسكك الحديدية الرئيسي في جنوب شرق أوكرانيا على وشك الوقوع في قبضة روسيا، وفق ما نقلته صحيفة التلغراف البريطانية.
وتخضع المدينة الاستراتيجية للحصار منذ أكثر من عام، وتتحمل وطأة الهجوم الروسي في شرق أوكرانيا حيث تدور ما يقرب من ثلث المعارك على طول خط المواجهة الذي يبلغ طوله 620 ميلا حاليا في بوكروفسك.
وتستخدم القوات الروسية أسلوب الهجوم من اتجاهات عدة لمحاولة تطويقها وقطع خطوط الإمدادات، بدلا من الهجمات على الجبهة الأمامية التي نفذتها للاستيلاء على مدينة باخموت في عام 2023، وفق رويترز.
وتقول موسكو إن الاستيلاء على بوكروفسك، التي تصفها وسائل الإعلام الروسية بأنّها "بوابة دونيتسك"، سيمنحها القدرة على التقدم شمالا نحو أكبر منطقتين متبقيتين تحت سيطرة أوكرانيا في دونيتسك، وهما كراماتورسك وسلوفيانسك.
وتريد روسيا الاستيلاء على كامل منطقة دونباس التي تضمّ دونيتسك ولوغانسك. ولا تزال أوكرانيا تسيطر على نحو 10٪ من دونباس، وهي مساحة تبلغ نحو ٥ آلاف كيلومتر مربع. فهل شارفت بوكروفسك على السقوط؟
وفق التلغراف فإنّ المعارك تحتدم من منزل إلى منزل داخل أنقاض المباني السكنية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، حيث لم يبقَ سوى بضع مئات في مدينة كان يسكنها في السابق 60 ألف نسمة.
والثلاثاء، صرّح الجيش الأوكراني بوجود نحو 300 جندي روسي داخل بوكروفسك، مع تكثيف موسكو جهودها لاختراق دفاعات المدينة باستخدام غطاء الضباب الكثيف.
وحذّر القائد العسكري الأعلى لأوكرانيا، أوليكساندر سيرسكي، من أنّ روسيا تُحشد نحو 150 ألف جندي، بما في ذلك مجموعات آلية، لشن هجوم أخير للسيطرة على بوكروفسك.
وقال الجنرال سيرسكي إنّ القوات الأوكرانية تستخدم المناطق الحضرية المبنية للحدّ من تقدم القوات الروسية، وتواجه وحدات التخريب الروسية.
وقال لصحيفة نيويورك بوست: "هناك معارك مستمرّة ومعارك مستعرة. هناك مناورات سريعة ينفذها العدو طوال الوقت"، غير أنه أضاف قائلا إن الاعتقاد بأن روسيا "على وشك القضاء عليها غير صحيح".
إذا سقطت بوكروفسك، فسيكون ذلك أكبر تقدم روسي في أوكرانيا منذ أكثر من عامين، وسيسمح لروسيا بالتقدم شمالا وغربا، مهددة مدن "حزام الحصون"، العمود الفقري لدفاع أوكرانيا في دونباس، وفق التلغراف.
وستؤثر رمزية خسارتها سلبا على معنويات أوكرانيا المنخفضة، وستدعم محاولات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لإقناع نظيره الأميركي دونالد ترامب بأنّ روسيا تتقدم، وأنّ إرسال الأسلحة إلى كييف هو إهدار للموارد.
بموازاة هذا، صرّح الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، الذي زار خطوط المواجهة بالقرب من المدينة الأسبوع الماضي، مساء الإثنين أن القوات الأوكرانية متمسكة بمواقعها حول بوكروفسك.
ومع ذلك، من غير الواضح إلى متى ستصمد.
ستكون المدينة الأكبر التي تسقط منذ استيلاء روسيا على باخموت، شمال شرق بوكروفسك، في مايو 2023 بعد حصار وحشي دام ٩ أشهر.
وكما هو الحال في باخموت، دفعت روسيا بعدد لا حصر له من المشاة في تقدمات مكلفة وبطيئة، مع استعداد قادتها لتحمل خسائر فادحة مقابل مكاسب تدريجية، غالبا ما تكون صغيرة مثل مخبأ أو خط أشجار.
في أكتوبر وحده، تشير التقديرات إلى أن القوات الروسية تكبّدت رقما قياسيا بلغ 25 ألف قتيل وجريح في المنطقة. ومع حلول فصل الشتاء، يصبح التقدم أكثر صعوبة من دون غطاء من أوراق الشجر للاختباء من سماء مليئة بالطائرات من دون طيار.
"طرق الإمداد الأوكرانية شبه مقطوعة"
وفقا لروايات الجنود الأوكرانيين، فإن أعداد القوات الروسية داخل المدينة الآن تفوق أعدادهم.
ولأسابيع متتالية، أرسلت روسيا مجموعات صغيرة من المتسللين، ما لا يزيد عن رجلين إلى ٣ رجال، للتسلل عبر خطوط المواجهة الأوكرانية التي تعاني من نقص في العدد.
بمجرد دخولهم المدينة، إما أن ينشروا الفوضى أو يختبئوا في أماكنهم وينتظروا وصول المزيد من التعزيزات، مما يزيد أعدادهم بإطراد.
قال إيفان ستوباك، المحلل العسكري الأوكراني والضابط السابق في جهاز الأمن الأوكراني: "أوكرانيا تفقد بوكروفسك ببطء ولكن بثبات، فالحصار الروسي لم ينتهِ بعد، وطرق الإمداد الأوكرانية شبه مقطوعة".
وقال لصحيفة التلغراف: "يبلغ طول عنق الزجاجة نحو 5 كيلومترات"، في إشارة إلى الممر الضيق الذي تعتمد عليه كييف لجلب الإمدادات والتعزيزات إلى المدينة.