أسرار "K4" الهندي وعيون الصين.. هل يشتعل المحيط بنيران نووية؟
في أوائل ديسمبر الجاري، أصدرت الهند 4 إشعارات للطيارين تحذرهم من تجربة صاروخ بعيد المدى ستجريها فوق المحيط الهندي، حيث أشار الإشعار الأول إلى منطقة خطر بطول 3500 كيلومتر، ثم عدل الإشعار الثاني مساحة المنطقة إلى 1000 كيلومتر وأرجأ فترة الاختبار إلى 11 ديسمبر.
الإشعار الثالث، أعاد توسيع المنطقة إلى 3550 كيلومتراً وأعاد جدولة فترة الاختبار مرة أخرى لتكون في الفترة من 17 إلى 20 ديسمبر، بينما حرك الإشعار الرابع الاختبار إلى الفترة من 22 إلى 24 ديسمبر، بحسب تقرير لوكالة أسوشيتدبرس، الأحد.
عن هذه التجارب ودلالتها، تقول نيتيا لاب، زميلة أكاديمية شوارزمان وبرنامج الأمن الدولي في معهد تشاتام هاوس البريطاني، في تقرير الأحد، إن هذا النوع من إشعارات الطيارين يمكن أن يشير إلى اختبار صاروخ باليستي يتم إطلاقه من غواصة.
وبالتالي، يمكن أن يكون هذا اختباراً للصاروخ K-4 SLBM الهندي، وهو صاروخ قادر على حمل رؤوس نووية ويبلغ مداه 3500 كيلومتر.
لماذا تختبر الهند صواريخها الباليستية؟
في الوقت نفسه، نشرت الصين عدداً من السفن البحثية في شمال ووسط وشرق المحيط الهندي، ويُعتقد أن هذه السفن مجهزة بأجهزة استشعار لديها القدرة على رصد عمليات إطلاق الصواريخ ودعم العمليات.
وتثار الآن تكهنات بأن الإلغاءات المتكررة ربما كانت رداً على الوجود المتزايد للسفن الصينية، مما يثير شبح اندلاع مواجهة بين الهند والصين.
ولا يعد الاحتكاك بين البلدين في المحيط الهندي أمراً جديداً، ولكن إجراء تجارب الصواريخ الاستراتيجية الهندية المتقدمة مع توسع الوجود البحري الصيني يمثل بوضوح تصعيداً للتفاعلات بين القوتين النوويتين في المنطقة، بحسب دراسة المعهد البريطاني.
والسؤال الملح الآن هو كيفية تفسير هذه التطورات وماذا تعني بالنسبة للأمن الإقليمي والعالمي؛ فهناك قلق من أن الصين تزداد صرامة لتأكيد ذاتها في الوقت الذي توسع فيه نطاق قاعدتها الأمنية عبر المحيط الهندي.
تقول الباحثة نيتيا لاب، زميلة أكاديمية شوارزمان وبرنامج الأمن الدولي في معهد تشاتام هاوس البريطاني، إن تركيز صناع السياسات على المنافسة مع الصين يغفل المخاطر المتزايدة للتصعيد النووي في المنطقة من جانب عدة أطراف فاعلة، وهي تطورات ترفع خطر سوء الحسابات وسوء الفهم وحدوث تصعيد غير مقصود.
لقد أصبحت الصين الآن لاعباً لا يمكن إنكاره في المحيط الهندي؛ فبحلول عام 2020، صارت الشريك التجاري الأكبر في المنطقة، وهي تجري بانتظام عمليات نشر وتدريبات بحرية، مثل المناورة الثلاثية التي أجرتها في مارس الماضي مع إيران وروسيا وأطلق عليها "حزام الأمن البحري".
منطقة رمادية بين "التجاري والعسكري"
هذا النشاط الصيني يؤجج قلق منافسيها الاستراتيجيين، بحسب دراسة المعهد الملكي البريطاني، ومن المحتمل أن تكون أنشطة سفن الأبحاث وتطوير الموانئ والترتيبات اللوجستية بمثابة "منطقة رمادية" بين النشاط التجاري والعسكري.
فعلى سبيل المثال، يخشى بعض الخبراء من أن تمنح استثمارات الصين في قاعدة "ريام" البحرية في كمبوديا وصولاً تفضيلياً لبكين في المستقبل. وحتى عند غياب الدليل الملموس على وجود قواعد عسكرية، فإن القروض الصينية لدول المنطقة قد تتضمن شروطاً تفتقر إلى الشفافية وتثير الشكوك، مما يزيد من تشدد مواقف المنافسين رداً على هذه التهديدات المتصورة، بحسب التقرير.
2025.. عام المواجهات في المحيط الهندي
ولا تقتصر مثل هذه المخاطر على الهند والصين؛ فخلال عام 2025، هددت إيران بضرب قاعدة عسكرية أمريكية بريطانية مشتركة في أرخبيل "تشاجوس"، وأجرت الصين تدريبات بالذخيرة الحية قبالة سواحل أستراليا، واعترضت الولايات المتحدة سفينة تحمل بضائع عسكرية من الصين إلى إيران.
وحدث كل هذا في عام شهد اشتباكات بين الهند وباكستان في مايو، ونشرت فيه الهند مجموعة حاملات طائراتها القتالية في شمال بحر العرب، بينما تحتفظ فرنسا بوجود عسكري دائم، وتدفع روسيا بشكل دوري بغواصات قادرة على حمل أسلحة نووية عبر المنطقة.
والنتيجة: ساحة بحرية تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية وتنافس القوى العظمى والردع النووي، بحسب دراسة معهد تشاتام هاوس البريطاني.
تشير الباحثة في الدراسة إلى أن خفض مخاطر التصعيد في المحيط الهندي لا يتطلب حل التنافسات الإقليمية بالضرورة، بل إدارة المخاطر بمسؤولية أكبر عبر تحسين قنوات التواصل في حالات الأزمات.
ويجب تكييف إدارة الأزمات لتشمل المواجهات البحرية الغامضة وعمليات مكافحة الغواصات أو اختبارات الصواريخ البعيدة عن السواحل. كما أن هناك حاجة إلى اتفاقية قوية لمنع الحوادث في المحيط الهندي، تشبه "مدونة قواعد السلوك الخاصة بالمواجهات غير المخطط لها في البحر" التي اعتمدتها 21 دولة عام 2014، وذلك لتوفير إطار عمل يقلل من مخاطر سوء التواصل بين الدول التي تمتلك أسلحة نووية.
ويخلص تقرير معهد تشاتام البريطاني إلى أن تعد التوترات الأخيرة بين الهند والصين بمثابة تذكير بأن الأزمة القادمة في المحيط الهندي ربما لا تندلع جراء تصعيد متعمد، بل بسبب سوء التواصل والفهم والإشارات المربكة في بيئة نووية تزداد تعقيداً.