فساد

تفجير أبراج الكهرباء لتسخين الشارع العراقي صيفا

نشر

.

تعود ظاهرة استهداف أبراج الطاقة الكهربائية في العراق من جديد، متسببة بانقطاع تامّ لمنظومة الكهرباء في عموم البلاد بعد أن شهد العام 2021 حوادث مماثلة لاستهداف العشرات من أبراج الطاقة الكهربائية.

وقتها اتهمت فصائل مسلحة عراقية، تعرف بـ"فصائل المقاومة"، وذلك لخلق جوّ عام ضدّ حكومة رئيس الوزراء العراقي سابقا، مصطفى الكاظمي، التي كانت معروفة بأنها على خلاف كبير مع تلك الفصائل.

فصائل المقاومة ممثلة حاليا في حكومة محمد شياع السوداني ضمن ما يعرف بالإطار التنسيقي الشيعي الذي يضمّ قوى سياسية وفصائل مسلحة، وتمتلك تلك الجهة خلافات شديدة مع قوى داخل وخارج العملية السياسية على رأسها التيار الصدري الذي انسحب من العملية السياسية، بجانب خلافات غير معلنة مع القوى السنية مثل جناح الحلبوسي، وكذلك القوى الكردية مثل الجناح الديمقراطي الكردستاني، الذي يتزعمه مسعود البرزاني.

مظاهرات واشتباكات في الشوارع العراقية لأسباب مختلفة، رغم درجات الحرارة غير المسبوقة. أ ف ب

هذه العلاقات المتشابكة تثير الشكوك حول وجود دوافع سياسية خلف استهدافات الأبراج بهدف إفشال حكومة الإطار مثل ما فعلت بعض القوى مع حكومة الكاظمي، بجانب السخط من توقيع عقد بين العراق وإيران يتضمن استبدال الغاز الإيراني المشغل لمحطات الكهرباء مقابل النفط الخام العراقي.

يوليو.. قصة حرّ الصيف والكهرباء

شهد العراق، خلال أقلّ من شهر، انقطاع منظومة الكهرباء الوطنية بشكل كامل ومتكرر وسط أشدّ شهور السنة حرّا في العراق، وهو شهر يوليو، وكثيرا ما حصلت تلك الحوادث في سنوات سابقة سبقت الانتخابات بهدف ترجيح دفة الجهات المعارضة على دفة الجهات التي تقف خلف الحكومة من أجل إفشالها.

يعيش العراقيون مجددا أياما ملتهبة مع انقطاعات مفاجئة للكهرباء، أحدثها عقب إعلان وزارة الكهرباء يوم ٣٠ يوليو، انطفاء تامّ في المنظومة الكهربائية نتيجة اشتعال حريق في محطة البكر التحويلية الثانوية بمحافظة البصرة.

عتمة كاملة عاشها العراق في وقت تسجل فيه درجات الحرارة مستويات قياسية. أ ب

تزامن حريق محطة البكر في البصرة، الذي لم تعلن الحكومة حتى الآن ما إذا كان متعمدا أمّ أنه وقع نتيجة خلل تشغيلي، مع تفجير 3 أبراج كهربائية بعبوات ناسفة عند أطراف حدود محافظة صلاح الدين المحاذية لحدود محافظة الأنبار. العمل التخريبي بحسب مصادر أمنية استهدف الخط الناقل صلاح الدين الحرارية، وخروجه عن الخدمة في محافظة صلاح الدين.

١٩ عبوة ناسفة

لم تسجل صلاح الدين خلال موسم الصيف الحالي أيّة هجمات ضدّ أبراج الطاقة في عموم الوحدات الإدارية، ليصبح هذا التفجير الأول من نوعه خلال فصل الصيف الحالي، لكن لم تمرّ إلّا ساعات قليلة حتى أعلنت القوات الأمنية العثور على أكثر من 19 عبوة معدة في منطقة "مكيشيفة" وهي قريبة من صلاح الدين، وجزء من هذه العبوات وجد بالقرب من أبراج الكهرباء، والجزء الآخر فُجّر، ما تسبب في انقطاع الكهرباء.

يوليو لم يكن الشهر الأفضل على الإطلاق، إذ انتهى بدرجات حرارة مرتفعة وبانقطاع الكهرباء، إلا أن بدايته شهدت توقف إمدادات الغاز الإيراني بشكل مفاجئ نتيجة عدم دفع مستحقاته المالية من الجانب العراقي بالدولار، جرّاء العقوبات الأميركية التي تمنع تحويل الدولار إلى إيران، حينها لجأت الحكومة بشكل عاجل إلى توقيع اتفاق الغاز مقابل النفط.

دفع هذا التفجير بجهات معارضة لاتهام الحكومة بافتعال الأزمة والاتفاق مع الجانب الإيراني بهدف توقيع الاتفاق دون سخط أميركي على تزويد إيران بالنفط، والتهرب من مسألة العقوبات الأميركية على تحويل الأموال إلى إيران.

أزمة ٢٠٢١ مكرّر

لم يكن استهداف أبراج الطاقة شهر يوليو مختلفا عن عشرات العمليات العمليات المماثلة التي وقعت خلال صيف 2021، عندما كانت حكومة الكاظمي في سدّة الحكم بدعم من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر.

وقتها كانت فصائل المعارضة المسلحة تسعى إلى إفشال الحكومة وتوجيه الاتهام لها بأنها "ضالعة في مقتل قائد فيلق القدس الإيراني السابق، قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس".

اليوم، أصبحت تلك الفصائل جزءا من الحكومة وخمدت الهجمات الصاروخية على المنطقة الخضراء ومقرّ السفارة الأميركية والمعسكرات التابعة لها في غرب وشمال العراق، وتوقفت معها عمليات استهداف الأبراج.

يرى البعض عودة الاستهداف مجددا ورقة من الجهات المعارضة لإفشال الحكومة، ويتغير الطرف الذي يقوم بالتفجيرات، بحسب تغير مكانه بين الموالاة والمعارضة.

أعضاء في لجنة الكهرباء والطاقة البرلمانية يعتبرون أن "هناك جهات إرهابية لا تريد الاستقرار تعمل مع بداية كل فصل صيف وارتفاع درجات الحرارة على استهداف شبكات الطاقة الكهربائية من أجل حصول نقمة شعبية على الحكومة وعموم الطبقة السياسية".

عضو اللجنة، داخل راضي، يعتبر أن "حكومة السوداني نجحت في جعل تجهيز الكهرباء للمواطنين أفضل من الأعوام السابقة، ولهذا حصلت العمليات الإرهابية ضدّ شبكات الطاقة الكهربائية، ومن غير المستبعد أن تكون هناك أياد داخلية تريد ضرب الاستقرار والنجاح على مستوى الخدمات ولها أجندة سياسية خلف تلك العمليات الإرهابية".

بصمة شيعية هذه المرة؟

يضع مراقبون تنوع عمليات الاستهداف جنوبا وشمالا وغربا بعد اقتصاره على الجانب الغربي والشمالي في خانة الاستفهام إذ يؤكد بعضهم أن مسلسل استهداف الأبراج يعود للعام 2008 وتحديدا في غرب وشمال العراق لكن السنوات الأخيرة بدأت تلك الهجمات تقع في مناطق جنوبية معروفة بأنها مناطق تمركز شيعي كما يرى الخبير الأمني، فاضل أبو رغيف، الذي يرى أن التفجيرات الأخيرة تثير الكثير من علامات الاستفهام في مناطق شيعية واضحة بما يتطلب إجراء التحقيقات للوصول إلى الجناة.

من ناحيته، يؤكد الخبير الأمني والاستراتيجي، فاضل أبو رغيف، لبلينكس أنّ ما وصفه بـ"مسلسل" تفجير الأبراج بدأ منذ عام 2008 في المناطق الشمالية والغربية، بيد أنّ التفجيرات التي وقعت في مناطق وصفها بـ"ذات بصمة شيعية" واضحة، تثير العديد من علامات الاستفهام، بما يتطلب تحقيقات واسعة للتوصل إلى الجناة.

خريطة التفجيرات تغيرت لتطال مناطق جديدة لم تستهدف سابقا. أ ب

يرى أبو رغيف أنّ "من شأن هذه الأحداث جرّ البلاد لموجة احتجاجات شعبية، وأنّه كان يمكن لهذه الأحداث أن تؤدي لتوتر الوضع لولا السيطرة المبكرة عليها حكوميا".

أشهر الصيف "اللهابة"

ينتج العراق نحو 25 ألف ميغاوات من الكهرباء، في وقت يحتاج إلى نحو 36 ألف ميغاوات حاليا، في ظلّ اعتماد محطات التوليد الغازية على الغاز الإيراني المستورد، الذي دائما ما يتعرض لتوقفات في الضخّ بسبب التراكمات المالية على الحكومة العراقية وعدم إمكانية تسديد مستحقات طهران بسبب العقوبات الأميركية المفروضة عليها.

في غضون ذلك، يوضح المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى العبادي، لبلينكس أنّ وزارته شكّلت فريقا للوقوف على أسباب حريق محطة البكر، في وقت أكّد العبادي أنّ القوات الأمنية استطاعت إبطال مفعول عدد كبير من عبوات ناسفة كانت معدّة لاستهداف خطوط نقل الطاقة في محافظة صلاح الدين.

عن جهود الوزارة للحدّ من عمليات التخريب، يقول العبادي أنّ هناك غرفة عمليات بين وزارات الداخلية والدفاع والكهرباء، وأنّ الجهد الأمني أسفر مؤخرا عن إبطال العديد من الأعمال التخريبية مع تسيير أفواج طوارئ واستخدام كاميرات حرارية لمراقبة خطوط الضغط العالي، مشيرا إلى أنّ حريق محطة جميلة كان نتيجة انفجار أحد المحولات، وأن التحقيقات الوزارية مستمرة وستعلن لاحقا، وفق قوله.

استهداف في أغسطس

خلال السنوات السابقة تركزت خلال أشهر الصيف من السنة حيث شهد النصف الأول من 2021 أكثر من 60 خرقا لخطوط نقل الطاقة سواء بالعبوات الناسفة أو الأعمال التخريبية وخصوصا خلال شهر أغسطس، أمّا النصف الثاني من العام ومع بداية يوليو، شهد تفجير عشرات العبوات الناسفة على أبراج نقل الطاقة في الموصل، وكركوك، وصلاح الدين، وديالى.

شهد النصف الأول من 2021 أكثر من 60 خرقا لخطوط نقل الطاقة سواء بالعبوات الناسفة أو الأعمال التخريبية، تركز معظمها خلال شهر أغسطس. أ ب

أمّا في 2022 بين يوليو وأغسطس، فقد شهدت تلك الفترة استهداف خطوط نقل الطاقة في صلاح الدين وكركروك وكذلك خط الكرنة شمال البصرة. في يوليو هذا العام شبّ حريق في محطة رئيسية بالبصرة، وحصل استهداف أبراج وابطال عبوات ناسفة.

وخلال السنوات السابقة حمّلت الحكومة أحيانا عناصر تنظيم داعش المسؤولية بينما صمتت في أحيان أخرى.

استفادة اقتصادية

يرى مراقبون تحدثت إليهم بلينكس أنّ بعض تلك التخريبات متعمدة من قبل جهات منتفعة، فالخبير الاقتصادي، مهدي شعنون، يقول إن تكلفة صيانة البرج الواحد تتراوح بين 10 إلى 30 مليون دينار، 7 إلى 20 ألف دولار أميركي، وإن هناك مراكز معينة تُستَهدَف بشكل متكرر ما يستنزف خزينة الدولة ويؤشر إلى وجود جهات معينة تنتفع من عمليات الاستهداف والصيانة وتجني الأموال بشكل متكرر.

بين العراق وإيران وأميركا

شكلت عقدة الكهرباء، بعد العام 2003، واحدة من أبرز المشاكل التي واجهتها جميع الحكومات من دون القدرة على حلها. ويرى الكثير من المراقبين أنّ ورقة الكهرباء أشبه بحصة يتم تقاسمها بين إيران والولايات المتحدة الأميركية من دون السماح للعراق بمعالجتها حيث تسيطر شركة جنرال إلكتريك على أغلب عقود إنشاء وصيانة محطات الكهرباء بينما تحصل إيران على مليارات الدولارات سنويا من تزويد العراق بالغاز والسيطرة عليه سياسيا عبر ورقة الطاقة.

استخدمت إيران ورقة الطاقة مع حكومات لا تناسب توجهاتها في العراق كما حصل في حكومة العبادي التي انقلبت عليها تظاهرات عارمة في البصرة احتجاجا على توقف الكهرباء جراء توقف إمدادات الغاز في صيف 2018 ما تسبب بحرمان العبادي من ولاية ثانية عقب خسارته في انتخابات نهاية 2018.

أنفق العراق أنفق على ملف الكهرباء منذ 2003 أكثر من 80 مليار دولار

حكومة الكاظمي بدورها واجهت بشكل متكرر مآزق وأزمات نتيجة توقف الغاز الإيراني. وهو ما يراه اقتصاديون عقدة صعبة الحلّ إثر انتفاع القوتين الدولية والإقليمية المسيطرتين في العراق على ملف الكهرباء، (أميركا وإيران)، من دون السماح بإيجاد حلول واقعية على مدى عقدين.

رئيس الوزراء العراقي السابق مصطفى الكاظمي خلال فترة ترؤسه، قال إنّ العراق أنفق على ملف الكهرباء منذ 2003 أكثر من 80 مليار دولار وهو ما يكفي لبناء العشرات من المحطات الكافية لتزويد العراق من الكهرباء وتصديره إلى دول أخرى وفق الاقتصاديين.

ماذا تقول الحكومة؟

لا تعترف الحكومة العراقية، علنا، بالأسباب التي ذكرناها سابقا، لكنها تُرجع الازمة إلى استمرار الأعمال التخريبية ونقص إمدادات الغاز. من جهته حدد المتحدث باسم وزارة الكهرباء العراقية، أحمد موسى العبادي، في حديث مع بلينكس أسباب استمرار أزمات الكهرباء بنقاط عدّة منها:

• الاستهداف التخريبي المتزايد لمنظومات وأبراج الطاقة الكهربائية.

• انحسار إطلاقات الغاز المورد من إيران لتشغيل المحطات.

• عدم التزام المحافظات بالحصص المقررة لها من حيث كمية الطاقة المزودة.

• الاستمرار في ظهور المناطق الزراعية والعشوائية غير النظامية التي تضيف أحمالا جديدة على المنظومة.

• الارتفاع في درجات الحرارة والعوارض الفنية التي ترافقه.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة