ثقافة عامة

"البشت السعودي".. هكذا انتقلت حرفة الأجداد إلى الجيل الثالث

نشر
AFP
يراقب السعودي حبيب محمد في مشغله حفيديه الصغيرين وهما يطرّزان يدويا أجزاء من بشت أسود اللون، آملا في أن يرثا يوما هذه الحرفة اليدوية الدقيقة المهدّدة بالإندثار.
والبشت عبارة عن عباءة يرتديها الرجال في دول الخليج العربي ليس لها كمّان، ولكن لها فتحتان من أجل إخراج اليدين، ويعدّ جزءا مهما من الهوية الثقافية في الخليج.
واشتهر البشت عالميا عقب نهائي كأس العالم لكرة القدم 2022 بعدما قام أمير قطر الشيخ تميم آل ثاني بإلباس قائد منتخب الأرجنتين ليونيل ميسي البشت قبيل رفعه كأس العالم إثر الفوز على فرنسا.
ولعقود طويلة، كان البشت يحاك يدويا في عملية تستمر نحو أسبوع، وهو ثمرة سبع مراحل يقوم خلالها خياطون متخصصون بتطريز الياقة والذراعين بخيوط ذهبية، لكنّ دخول الماكينات هدّد بإحالة هذه الحرفة إلى أدراج التاريخ.

"ولدتُ في مجلس خياطة"

وُلد محمد البالغ الآن 60 عاما في مشغل للبشت يملكه والده في مدينة الهفوف في محافظة الإحساء في شرق السعودية. ومنذ أتمّ الخامسة من عمره، انغمس في الحرفة التي يقول إنها تشكّل "كل حياتي".
في متجره الصغير في قلعة الحرفيين في المدينة، يقول لوكالة فرانس برس "ولدتُ في مجلس خياطة، أفقت على الدنيا وأنا أرى والدتي تخيط، وأنا أرى أخواني وأولاد العم عند الوالد في مجلس الخياطة".
ويتابع الرجل الذي ارتدى ثوبا أبيض اللون وغترة حمراء، "منذ سن الثلاث أو الأربع سنوات أرى البشوت فقط".
وتمحورت حياته حول البشت حتى أنه تزوج قريبة له ماهرة في تطريز ياقة البشت.

السعودي حبيب محمد في مشغله. AFP

لباس إلزامي

لكنّ هذه الحرفة اليديوة التي تتمتع بمكانة كبيرة، تعرضت لضربة كبيرة مع دخول الماكينات إلى الصناعة وإغراق السوق بالمنتجات الصينية الرخيصة. يقول "القطعة التي كنت أنفّذها بـ1500 ريال (400 دولار) عُرض عليّ أن أنفذها بـ150 ريالا (40 دولارا)".
وكانت أسعار البشوت تتراوح بين 1500 ريال إلى 6 آلاف ريال (1600 دولار) حسب الخامة المستخدمة، لكنّ باتت تباع الآن نسخ مصنوعة آليا بنحو 100 ريال فقط (نحو 27 دولارا).

الأمل في الأحفاد لحياكة البشوت

أدّى تراجع المكاسب إلى رفض ابنه الوحيد العمل في حياكة البشوت، لكنّ محمد لم يفقد الأمل في توريث حرفته "للمحافظة على التراث". ويقول وهو يدقّ بمطرقة على التطريز المُذهب لتنعيمه "الآن أنا أعلّم أحفادي البنات والأولاد. بدأنا في التعليم هنا في المحل وفي البيت".
إلى جانبه، تحيك حفيدته فجر، 10 سنوات، وحفيده غسان، 9 سنوات، عباءتين صغيرتين.

الحفيد غسان في مشغل جده حبيب محمد. AFP

ويتميز البشت بألوانه المختلفة مثل الرمادي والأسود والبني والبيج وهو يعكس الهيبة والمكانة الاجتماعية لمرتديه.
يقول محمد "قديما في الإحساء، كان من المعيب أنّ يخرج الرجل إلى العزاء أو السوق أو زيارة أي شخص في أي مكان دون ارتداء البشت". كما كان لأطفال يرتدونه في الأعياد.

السعودي حبيب محمد في مشغله. AFP

"أرفض البيع نهائيا"

على جدران محله، عُلّقت بشوت تبدو قديمة للغاية، ويقول محمد إنّ بعضها يرجع إلى 100 سنة وأكثر، وقد ورثها من أجداده.
وفيما يمسك ببشت بني اللون من صوف الغنم، يقول بفخر "هذا عرض عليّ فيه 200 ألف ريال (53 ألف دولار)، أنا أرفض بيعه لأنه يمثّل الحياة بالنسبة إليّ، يمثّل تاريخ البلد".
ويتابع بلهجة حازمة "سأورثها لأولادي وأحفادي وأوصيهم ألا يبيعوها نهائيا".
وفي محاولة للحفاظ على هذا الموروث المهم، تسعى دول مجلس التعاون الخليجي لإدراج البشت بوصفه أحد عناصر التراث الثقافي غير المادي ضمن قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، يونسكو.

السعودي حبيب محمد يحيك في مشغله. AFP

وقرّرت المملكة العربية السعودية تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية، وأدرجت 10 حرف من بينها صناعة البشوت على لائحة حرف مميزة لدعمها.
وقالت وزارة الثقافة لوكالة فرانس برس إنّ المبادرة تهدف إلى "توفير المزيد من البرامج الداعمة للتدريب والتطوير ولدمج الأجيال الشابة مع الحرفيين الخبراء المزاولين للمهنة". وبالفعل، يقدّم محمد دروسا أسبوعية في معهد محلي لتعليم حياكة البشوت للأجيال الشابة.
ويقول بعزم "نحن لم نستسلم وبدأنا نشتغل. الآن ندرّب حتى يعود الموروث القديم الذي كان يندثر"، مؤكدا "سنرجع مرة ثانية".

حمل التطبيق

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة