اقتصاد

"العالِم المتسول" يعود.. 11 مليون خريج صيني بلا وظائف

نشر

.

Muhammad Shehada

كونج جي كان أحد رواد حانة صينية في قرية لوشين، وكان الزبون الوحيد الذي اعتاد على ارتداء عباءة طويلة كالعلماء وخريجي الجامعات وشرب عصيره وهو واقف.

كونج الصادق واللطيف قدم نفسه كأكاديمي وعالم، وكانت جمله مليئة بالمصطلحات الأدبية التي اختارها بعناية، لكنه في نفس الوقت تحول إلى متسول من ضيق الحال وأصبح أضحوكة السكان المحليين الذين اعتبروه شخصية سخيفة ومثيرة للشفقة. خاصةً في كل مرة دخل فيها المتسول العالم للحانة وجسده تملؤه كدمات الضرب العقابي لسرقته بعض الكتب التي لا يقوى على ثمنها.

شخصية كونج هي شخصية روائية خيالية من تأليف الكاتب الصيني لو شوان عام 1918 وظهرت في كتابه "دعوة لحمل السلاح".

لكن الرواية المأسوية تلك أصبحت اليوم أحد "الميمات" الساخرة التي يتناقلها الشباب الصينيون الحاصلون على شهادات عليا على نحو واسع لتعبير عن مخاوفهم من أن يواجهوا نفس مصير العالم المتسول. وذلك في ظل ارتفاع نسبة البطالة بين الشباب في الصين لمعدلات قياسية.

المصير يتشابه

بعد أن تخرجت إنغريد شيه (26 عام) من جامعة هاينان الاستوائية في الصين وحصلت على درجة البكالورويس في اللغة الإنكليزية، اعتقدت بأن السفر لإكمال الشهادات العليا في الخارج سيرفع من فرصها في الحصول على وظيفة جيدة تمنحها توازناً بين العمل والحياة وتؤمن لها حياة كريمة.

سافرت إنغريد لأستراليا لدراسة الماجستير في اللغويات التطبيقية من جامعة كوينزلاند وتخرجت في شهر يوليو من عام 2022.

بعد أن عادت إنغريد لمدينة كونمينغ الصينية حاولت بكد البحث عن وظائف ملائمة لكن انتهى بها الحال كعاملة في محل بقالة.

تواسي الفتاة نفسها بأن حالها هو حال الكثير ممن درسوا في الخارج وقابلوا نفس المصير حينما عادوا للبلاد بحسب صحيفة الغارديان.

تخرجت الشابة غلوريا لي في نفس الشهر أيضاً بدرجة ماجستير في تصميم الغرافيك، وبدأت رحلة البحث عن عمل طامحةً في أن تجد وظيفة بأجر نحو 1000 دولار شهرياً في أحد المدن الكبيرة في وسط الصين.

خلال أيام أرسلت غلوريا نحو مئتي رسالة لمسؤولي الموارد البشرية وأعطت نسخاً من سيرتها الذاتية ٣٢ شركة، ودعيت لمقابلتي عمل. لكنها لم توفق في العثور على فرصة مناسبة.

تقول الشابة بأن العروض القليلة التي حصلت عليها هي مجرد دورات تدريبية مؤقتة بأجر زهيد بين 200-300 دولار شهرياً وفقاً لـ"نيويورك تايمز".

لذلك، بدأت غلوريا في البحث عن وظائف في قطاع المبيعات بالتجزئة التي كانت مترددة في النظر فيها من قبل وتقول إنها مستعدة للقبول بأي عرض عمل يأتيها حالياً.

نسب مرعبة

نسبة البطالة في أوساط الشباب الصيني (16-24 عام) ارتفعت في العام الماضي لتصل 20,4% ما يعني 6 ملايين شاب عاطل. ومن المتوقع أن ترتفع هذا العام لتتخطى 25% عند تخرج نحو 11,6 مليون شاب خلال الأشهر القادمة. تلك النسبة أعلى من الهند، قرينة الصين من حيث عدد السكان، حيث البطالة عند نفس الفئة العمرية بلغت 17,9% بينما وصلت تلك النسبة في الولايات المتحدة لـ6,5% وفي الاتحاد الأوروبي لـ14,3%.

أما من يعثرون على وظائف فيشتكون من قلة الأجور أو عدم تكافؤ الوظيفة مع مؤهلاتهم العلمية أو صعوبة الوصول لمكان العمل.

الشابة إنغريد تقول إنها عُرض عليها وظيفة كمعلمة في قرية نائية، لكنها لم تستطع قبول العرض لشدة صعوبة ظروف العيش في تلك القرية والمخاطر التي ستواجهها فتاة وحيدة هناك.

الأسباب عديدة

تباطؤ النمو الاقتصادي نتيجة وباء كوفيد-19 وسياسة الصين السابقة شديدة الصرامة في إغلاق مدن وأحياء سكنية بأكملها كإجراء وقائي كانا أحد الأسباب الرئيسية في رفع نسب البطالة على مستوى البلاد.

وفاقمت من المشكلة قرار الحكومة الصينية عام 2021 بمنع الدروس الخصوصية الربحية وهو القطاع الذي تقدر قيمته بنحو 150 مليار دولار وكان أحد المشغلين للشباب حديثي التخرج الطامحين في الحصول على خبرة ومصدر دخل جيد.

ومن جهة أخرى، ساهم إقبال الشباب الصيني الكبير على التعليم العالي في رفع نسب البطالة في صفوفهم حيث إن عدد الأشخاص الذين يتخرجون من الجامعات اليوم هو أكثر من أي وقت مضى، ما يعني العزوف عن وظائف العمالة الماهرة المنخفضة في الصناعة والزراعة مثلا، نظراً لطول ساعات العمل والمجهود البدني الكبير وتدني الأجور.

في عام 2021، سجلت شركة غولدمان ساكس ارتفاعا بنسبة 20% في صفوف الخريجين الصينيين من كليات التعليم والرياضة بينما تراجع التوظيف في هذا القطاع.

في الوقت نفسه، يرى محللون بأن قيمة الشهادات العليا الدولية قد تضاءلت في أسواق الوظائف في الصين حيث ينظر أرباب العمل للشباب الدراس في الخارج أنهم قد تطبعوا بطباع غربية وأصبحت لديهم توقعات عالية. وتعاني الصين من قلة الخريجين الحاصلين على مهارات تكنولوجيا عالية من التي تبحث عنها الشركات.

حتى الاستقرار مشكلة

ارتفاع نسبة البطالة وتدني الأجور بين الشباب يشكلان جزءا من حلقة مفرغة تعمل على استمرار تباطؤ النمو الاقتصادي. فالشباب الصيني هم عادةً الأكثر ميلاً للإنفاق على سلع ترفيهية كالهواتف المحمولة وأزياء الموضة الأنيقة والسفر، وضعف قدرتهم الاستهلاكية يؤثر بشكل قوي في الاقتصاد الكلي.

بينما يزيد اهتزاز الثقة وضعف الإنتاجية في الاقتصادات التي تعاني من ارتفاع نسبة البطالة بحسب صحيفة واشنطن بوست.

علاوة على ذلك، يدفع الإحباط واليأس العديد من الشباب الصيني لترك المنافسة والسباق على وظائف والاستسلام فيما يعرف بظاهرة "الاستلقاء بشكل مسطح" Lying Flat. ويرى مراقبون بأن مشاعر السخط والإحباط بين الشباب قد ترفع من خطر انعدام الاستقرار الاجتماعي.

رد حكومي "قاس"

"كلوا المر" هو رد الرئيس الصيني شي جين بينغ على الشباب الصيني المعاني من البطالة، حيث يجادل زعيم الحزب الشيوعي الصيني بأن الخريجين من الشباب يجب أن يتوقفوا عن التفكير في أنهم أعلى منزلة من القيام بالأعمال اليدوية متدنية الأجر أو الانتقال إلى المناطق الريفية.

ويحاول الحزب الحاكم ضخ الدعاية الإعلامية عن فضيلة المشقة وأهمية تحمل الصعاب في الحياة.

في نفس الوقت، تعمل الحكومة الصينية على تحفيز سوق العمل عبر سياسات مختلفة أقرتها في شهر إبريل الماضي أحدها هو تقديم إعانات للشركات التي توظف خريجي الجامعات العاطلين عن العمل. وترغب الحكومة في أن تقوم الشركات المملوكة للدولة بتوظيف مليون متدرب في عام 2023، بينما حددت بكين هدفًا عامًا يتمثل في خلق 12 مليون وظيفة في المدن هذا العام، ارتفاعًا من 11 مليونًا في عام 2022.

الشباب الصيني والهجرة

في منتصف عام 2022، انتشر مصطلح "فلسفة الجري" في أوسط الشباب الصيني كناية عن الرغبة في الهجرة من الصين. وبينما أشارت صحيفة ذا إيكونوميست العالمية أن عمليات البحث عبر الإنترنت عن الكلمات المتعلقة بالهجرة قفزت بشكل ملحوظ في الصين، خاصة في أثناء سياسة "صفر كوفد" الصارمة، يلجأ الشبان لاستخدام كلمات مشفرة في أحاديثهم وبحثهم عن الموضوع لتفادي أنظمة المراقبة الحكومية. وفي ظل ارتفاع نسبة البطالة المرتقب لتصل لربع الخريجيين خلال الأشهر القادمة، من المتوقع ارتفاع موجات الهجرة الباحثة عن عمل.

في آسيا والشرق الأوسط، تقدر أعداد المهاجرين الصينيين بأكثر من 29 مليون.

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة