بيئة

استخدام السيارات الكهربائية لا يحل المشكلة.. دول "تصدر" أزماتها المناخية

نشر

.

Bouchra Kachoub

عندما حل المسؤول الأممي غلام إسحق زي بالعراق بعد عشرين عاما من زيارته الأولى، انصدم بما آلت إليه الأوضاع البيئية هناك. لم يعد بلاد النهرين موطنا لتلك الأراضي الخضراء والخصبة، بل تحول إلى فضاء قاحل يجتاحه الغبار والرياح الجافة.

يروي إسحق زي، نائب الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، في مقال بموقع أخبار الأمم المتحدة أنه "من الواضح أن تغير المناخ قد أثر سلباً على هذا البلد.. فهذه الأرض الجميلة والخصبة، المعروفة عبر التاريخ بالحضارات التي تنبت حول نهري دجلة والفرات العظيمين، تقف الآن على خط المواجهة أمام أزمة المناخ العالمية".

يهدف الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية إلى الرفع من عدد مبيعات السيارات الكهربائية

مصافي النفط.. سبب التلوث

موقع أمواج المختص في شؤون منطقة الخليج و الشرق الأوسط يشير إلى أن تردي الهواء في العراق ناتج عن انبعاثات المركبات، والتلوث الناجم عن استخدام الأسلحة في الحرب، والبنية التحتية المتهالكة لمولدات الطاقة، وانبعاث الغازات من مصافي النفط.

لكن خبير تلوث الهواء حازم الربيعي، في مقابلة مع موقع أمواج، يعزي أسباب تلوث الهواء في العراق بشكل أساسي إلى صناعة النفط. ويضيف أن الحكومة رفعت في السنوات الأخيرة من الإنتاج بدون وضع ضمانات مناسبة لتقليل التلوث. فبين عامي 2010 و2021، ارتفع الإنتاج من 2.5 مليون برميل إلى أكثر من 4 ملايين برميل في اليوم.

وتعد العراق من أكثر الدول اعتمادا على واردات النفط، إذ صرح المحلل السياسي العراقي ورئيس مركز اليرموك للدراسات الاستراتيجية عمار العزاوي لوكالة فرانس برس أن الاقتصاد العراقي يعتمد برمته على عائدات النفط ويحذر أنه "في حال انخفاض (سعر) النفط، سيتجّه اقتصاد [العراق] إلى غرفة الإنعاش".

حدث سيناريو مماثل خلال فترة جائحة كورونا حينما تراجع الطلب على النفط ما أدى إلى انخفاض قياسي في سعر البترول والذي وصل إلى أقل من دولار واحد للبرميل في أبريل 2020، حسب موقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية.

كان قد أدى انخفاض عائدات النفط هذه إلى قفزة في معدلات الفقر بالعراق حيث توقع البنك الدولي سقوط ما يزيد عن 5.5 مليون عراقي تحت عتبة الفقر.

وسط المشاكل التي تعاني منها العراق، هل ستستغني عن موردها الرئيسي لمواجهة الأزمة الاقتصادية والبيئية والالتحاق بدول العالم لتحقيق الحياد الكربوني؟

تقدم على حساب الغير

تبدو البرامج الهادفة للحد من التلوث وتغير المناخ سهلة المنال عند مجموعة الدول الصناعية السبع والتي تضم كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

في منتصف أبريل 2023، تعهدت هذه الدول تسريع خروجها من الوقود الأحفوري وتحقيق الحياد الكربوني بحلول العام 2025.

قبل ذلك بشهر، في مارس 2023، كان قد صادق الاتحاد الأوروبي بجميع دوله الأعضاء على وقف بيع السيارات الجديدة التي تعمل بمحركات حرارية مثل البنزين والديزل ابتداء من عام 2035، سعيا لبلوغ الحياد الكربوني بالقارة العجوز بحلول 2050.

وفي نفس الاتجاه، أصدر الرئيس الأميركي جو بايدن قرارا تنفيذيا يأمر بأن تكون مبيعات السيارات الكهربائية تشكل نصف مبيعات السيارات الاجمالية بحلول 2035.

بينما يهدف الاتحاد الأوروبي وأميركا الشمالية إلى الرفع من عدد مبيعات السيارات الكهربائية وتركيب محطات شحن السيارات الكهربائية على الطرق السريعة الرئيسية بحلول عام 2026، لا تزال دول أخرى حول العالم تجهل هذه الابتكارات التكنولوجية.

في العراق، قال أحد موظفي مبيعات السيارات في بغداد لموقع فاينانشال تايمز إنه بالكاد أن يكون العراقيون على دراية بتكنولوجيا السيارات الهجينة الحالية التي يبيعها.

وتفيد دراسة بأن سبب عدم انخراط الدول النامية في برامج ومبادرات مناخية هو عدم توفرها على تمويلات كافية، مثل الدول الغربية، لتطبيق البرامج على أرض الواقع.

لكن شبكة سي إن إن نشرت تقريرا يفصح عن ملايين سيارات البنزين المستعملة التي تصل كل عام إلى غرب أفريقيا من الدول الغنية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والدول الأوروبية، وبشكل متزايد من الولايات المتحدة.

فبينما تتجه الدول المتقدمة نحو السعي وراء الحد من تغير المناخ، فهي بذلك لا ترى أنه مشكل يخص الدول الفقيرة.

... خصوصا أفريقيا

ميناء بنين من بين الموانئ الأفريقية التي تستقبل عددا متزايدا من السيارات المستعملة. تعرف القارة السمراء نموا ديمغرافيا سريعا وطلبا كبيرا على السيارات المستعملة.

يقول الخبراء لشبكة سي إن إن إن هذا النوع من الاستيراد سيكون عبارة عن تحويل الدول المتقدمة لمشكلاتهم المناخية والبيئية إلى بلدان أكثر عرضة لأزمة المناخ مما سيضعف من محاولاتهم المحلية والخاصة لخفض التلوث الناتج عن ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض.

ارتفع نمو السوق العالمي للمركبات الخفيفة المستعملة بنسبة 20٪ تقريبًا من عام 2015 إلى 2019، عندما تم تصدير أكثر من 4.8 مليون سيارة، حسب موقع شبكة سي إن إن.

تصدر الولايات المتحدة وحدها حوالي 18٪ من السيارات المستعملة في العالم

تصدر الولايات المتحدة وحدها حوالي 18٪ من السيارات المستعملة في العالم، وفقًا لبيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وتصدر هذه السيارات التي تعمل بالبنزين والديزل إلى الشرق الأوسط وأميركا الوسطى، لكن العديد منها تذهب إلى نيجيريا وبنين وغانا.

يقول الخبراء إن تزايد استخدام السيارات الكهربائية في الغرب قد يرفع من تزويد الدول الأفريقية بالسيارات المستعملة. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، فإن سيارة واحدة تقريبًا من كل خمس سيارات تم بيعها على مستوى العالم هذا العام ستكون كهربائية، مقارنة بأقل من 5٪ في عام 2020. وتتصدر الصين وأوروبا والولايات المتحدة سوق السيارات الكهربائية.

وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن ملايين السيارات التي يتم شحنها إلى أفريقيا وآسيا من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان "ملوثة أو غير آمنة".

يكمن التلوث في وجود قطاعات غيار معيبة أو مفقودة وهو ما يسبب في انبعاث دخان سام يزيد من تلوث الهواء ويعيق الجهود المبذولة لمكافحة تغير المناخ.

من المسؤول عن تغير المناخ؟

يفيد موقع منظمة أكسفورد أميركا أنه قبل القرن التاسع عشر، كانت الأفراد في جميع أنحاء العالم تشتبه في مستويات معيشتها، لكن الثورة الصناعية في المنطقة الشمالية من العالم غيرت العديد من الأمور من بينها المساواة الاقتصادية للأفراد.

الثورة الصناعية في المنطقة الشمالية من العالم غيرت العديد من الأمور

في مقال تحليلي لصحيفة نيويورك تايمز، يعزى أن 23 دولة صناعية غنية هي المسؤولة عن 50 ٪ من جميع الانبعاثات في تاريخ الفترة الصناعية وأن أكثر من 150 دولة مسؤولة عن النصف الآخر.

بالرغم من الجهود المبذولة في الحد من تغير المناخ، فالسياسات التي توجد لحد الآن لا تتطرق للمشكل من منظور شمولي.

تعتقد الدول المتقدمة أنها تبلي حسنا بجريها وراء برامج حلية للحد من التلوث لكنها ما تقوم به في الحقيقة هو مجرد تحويل لمشاكلها لأماكن هشة وأكثر عرضة للتأثيرات التي تصاحب تغير المناخ.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة