اللحوم الحمراء تعود إلى موائد التونسيين.. مَن أرسلها؟
"خلال السنتين الماضيتين، اقتصر استهلاك عائلتي للحوم الحمراء على المناسبات الدينية والأعياد، فدخلنا الشهري لم يعد قادرا على مجاراة الارتفاع الجنوني لأسعارها"، تقول آمال ربة بيت تونسية في استنكار، خاصة أن اللحم من المكونات الأساسية للمائدة للتونسية.
وفي محاولة لضبط الأسعار بالأسواق، وصلت شحنة لحوم أبقار مبردة يقدر حجمها بنحو 20 ألف طن وتولت شركة اللحوم توزيعها الأربعاء 29 يناير، حتى يتسنى للتونسيين شراؤها بأسعار أرخص بداية من اليوم الخميس.
اللحوم المبردة تدخل تونس لأول مرة
غير أن هذه الخطوة، ورغم طابعها الاجتماعي، قوبلت بحيرة التونسيين الذين تستورد بلادهم "اللحوم المبردة" لأول مرة في التاريخ على نطاق واسع، بعد أن كان الاستيراد ينحصر في السابق على القطعان الحيّة، أو شراء كميات محدودة للغاية من اللحوم المجمدة.
وأثيرت تساؤلات حول مصدر اللحوم، وهل الأبقار مذبوحة على الطريقة الإسلامية؟ كما استنكر آخرون قرار السلطات توريد اللحوم بالعملة الصعبة، عوض دعم المربين المحليين الذين يواجهون صعوبات خانقة منذ سنوات.
للرد عن هذه الاستفسارات، يوضح رئيس الغرفة الوطنية للقصابين بتونس أحمد العميري لبلينكس، أن شحنة اللحوم المبردة وصلت من فرنسا وتم تحميلها من ميناء مرسيليا تحديدا ليتم بيعها للعموم بين 26 و35 دينار (9 و12 دولارا)، للكيلوغرام الواحد، بينها تصل أسعار اللحوم التونسية إلى أكثر من 13 دولارا.
وأضاف أن شحنة أخرى من لحوم الضأن ستصل الأسبوع المقبل قادمة من رومانيا، مشيرا إلى أن عمليات التوريد ستستمر أسبوعيا على هذه الوتيرة إلى غاية شهر رمضان، وقد تتواصل إلى ما بعده إذا نجحت شركة اللحوم في التسويق.
وعن جودة الحمولة الموردة، يقول العميري إنها لحوم مبردة وليست مجمدة، فهي طازجة، تم ذبح الحيوانات قبل يوم واحد من شحنها، ويتم حفظها في درجة حرارة تعادل صفر درجة، حتى وصولها إلى مقر الشركة ثم توزيعها على التجار والمزودين.
يؤكد العميري أن وزارة التجارة عند القيام بطلب العروض، أصرت على أن يكون السعر مناسبا للأسر التونسية، وأيضا على جودة اللحوم باعتبار أن المستهلك تعود على درجة جودة مرتفعة مع اللحوم البلدية، وقد تفشل محاولات تعديل السوق إذا عزف عن شرائها لسوء مذاقها.
ما هي مخاوف التونسيين من اللحوم المستوردة؟
تقول آمال إنها مستعدة لشراء اللحم المبرد الفرنسي إذا توفر بالأسعار المعلن عنها فالأسعار مغرية، بحسب تعبيرها، غير أن ما تعرفه من معلومات يفيد بأن الأوروبيين يصعقون الأبقار بالكهرباء ولا يذبحونها بسبب معايير احترام الحيوانات المفروضة عليهم.
من جهته، يؤكد طارق بن جازية، المدير العام لشركة اللحوم، وهي مؤسسة رسمية، أن الأبقار والأغنام تُذبح على الطريقة الإسلامية وتحصل على علامة "حلال" قبل الموافقة على تسلمها.
ويضيف بن جازية، أن وفدا رسميا يضم مسؤولين من وزارة التجارة وأطباء بياطرة سافر إلى كل من فرنسا ورومانيا لحضور عملية الذبح، والتأكد من مطابقتها للشروط والمعايير، مؤكدا أن طبيبين يفحصان الشحنة ثانية فور وصولها وقبل توزيعها.
ودعا بن جازية كل المستهلكين المشككين في هذه الإجراءات إلى زيارة مقر الشركة ومعاينة اللحوم، مؤكدا استعداده لاطلاعهم على الوثائق التي تثبت أنها لحوم حلال.
وأكد أن الغاية من عملية التوريد مصالحة العائلات التونسية مع اللحوم الحمراء بعد أن هجرتها لغلاء أثمانها مع تراجع ملفت في قدرتها الشرائية، فمن غير المنطقي أن نقدم لها نوعية رديئة، حسب قوله.
التغيرات المناخية والتهريب يضربان الأعلاف
في سياق متصل، كشف رئيس غرفة القصابين أحمد العميري أن قطيع الأغنام والأبقار تراجع بين 40 و50٪ خلال المواسم الستة الماضية بسبب التغيرات المناخية وارتفاع الأسعار العالمية للعلف، إلى جانب انتشار ظاهرة التهريب.
ويضيف العميري أن نقص الإنتاج أدى إلى اختلال العرض والطلب، وبالتالي ارتفاع غير مسبوق للأسعار منذ سنة 2023، لذلك قررت السلطات الحفاظ على القطعان المحلية مقابل توريد اللحوم المجمدة، حيث نص قانون المالية لسنة 2025 على اعفاءات جمركية بهدف عودة اللحوم الحمراء إلى موائد التونسيين وكذلك زيادة الإنتاج المحلي في السنوات المقبلة.
يذكر أن العميري كان أثار قبل عام جدلا في تونس، بعد دعوته لمفتي البلاد بالتوجه إلى التونسيين وحثهم على مقاطعة عيد الأضحى بعد تراجع معدل استهلاك الفرد من اللحوم إلى 6.8 كلغ سنويا، وهي أقل نسبة على مستوى العالم.