تاريخ

بوفون يعلق القفاز بعد 3 عقود من المجد والجدل

نشر

.

Mussab Gasmalla

في نوفمبر 2017 خيمت الحسرة على عموم إيطاليا بعد صدمة فشل منتخب الآزوري في التأهل إلى مونديال روسيا 2018، للمرة الأولى في تاريخه منذ 60 عاما، ووسط الدموع واعتصار الألم، تلقى سكان مدينة كرارا إحدى مدن إقليم توسكانا خبرا ضاعف من الخيبة، اعتزال ابنها وأيقونتها الذي تفاخر بها عموم الإيطاليين: الحارس الأسطوري جيانلويجي بوفون.

ورغم انحدار نسب بوفون من إقليم فريولي، لكن مدينة كرارا التي تقع على نهر كاريوني وتبعد نحو 143 كيلومترا من فلورنسا، ربما تعتبر بوفون ثاني أهم شخص في تاريخها، وتحديدا بعد الرسام والنحات مايكل أنجلو، أحد عباقرة عصر النهضة، الذي جعل من رخامها الأبيض الناصع على قائمة الأفضل في إيطاليا، إذ طلبه بالذات قبل 500 عام لإعمال إزميله المبدع فيه، وينحت تمثال داود الخالد، حيث كان رخام كرارا قبلها يعيش حالة كساد وسوء تقدير في السوق المحلية.

ورغم عودة بوفون لارتداء قميص الآزوري لاحقا في 2018 تحت ضغط المدرب المؤقت لمنتخب إيطاليا لويجي دي بياجيو لخوض مباريات ودية فقط، لكن ذلك لم ينقص من حسرة "الكراريين" على غياب بوفون عن واجهة المنتخب في النزالات الرسمية، بعدما قاده إلى لقب مونديال 2006 بجدارة.

والآن، ربما، عاود الألم سكان كرارا مجددا، عندما أكدت تقارير أمس توصل بوفون البالغ من العمر 46 عاما لقرار اعتزال لعبة كرة القدم، بعد مسيرة حافلة بالمجد والألق والنجاحات عمرها 28 عاما، لكن ما يبدو مؤكدا بلا شك هو استعداد المدينة المنتجة للرخام تخصيص أفضل قطع منه، لنحت تمثال لبوفون وقفازاته الساحرة، تخليدا لمسيرته العظيمة في المستطيل الأخضر.

من الوسط إلى تحت العارضة

بوفون المولود في 28 يناير 1978، عندما وصل إلى عمر 13 عاما، كان بالفعل على رادار كل من ناديي ميلان وبولونيا، قبل أن يختار الدخول إلى أكاديمية بارما، وذلك في العام 1991.

وللوهلة الأولى اختار بوفون اللعب في خط الوسط، لكن التألق الكبير للحارس الكاميروني توماس نكونو مع الأسود الكاميرونية أمام أعين اليافع بوفون، حيث جرى المونديال بإيطاليا، وقيادة توماس الكاميرون إلى ربع النهائي، شجع بوفون على اقتفاء أثر توماس، ليجد نفسه بالصدفة بين الخشبات الثلاثة لمرمى بارما.

وهنالك أمر أخر أسهم في قرار بوفون بالتحول إلى الحراسة، وهو إصابة كلا الحارسين في فريقه شباب بارما.

ومستفيدا من طوله الفارع ومهاراته التي اكتسبها من اللعب في الوسط، سرعان ما بدأ بوفون يتأقلم على الخانة الجديدة التي جلبتها لها الصدفة وبريق الكاميرون في المونديال.

وفي 1994 تم استدعاؤه للتدرب مع الفريق الأول، قبل أن يتم تصعيده رسميا في 1995 إلى الفريق الأول، ليظهر في أول مباراة في الدوري الإيطالي في 19 نوفمبر 1995 وكانت أمام حامل اللقب ميلان، ونجح في الحفاظ على نظافة شباكه، وقتها كان فقط بعمر 17 عاما و295 يوما.

بعد المباراة لفت بوفون الأنظار إليه بشدة، وذلك بعد أن تسبب في معاناة للنجمين المتوجين بالكرة الذهبية في هجوم ميلان، وهما الثنائي روبرتو باجيو والليبيري جورج ويا، ومنذ تلك الفترة بات بوفون أساسيا مع بارما وقاده في نصف موسم فقط، للتأهل الأوروبي، فيما كان لتعيين بارما ويليام فيتشي مدربا للحارس دورا كبيرا في صقل موهبة بوفون، حيث عمل معه فيتشي على الكثير من الجوانب الفنية.

وفي موسم 1996 ـ 1997، وهو أول موسم كامل له مع بارما، نجح بوفون في قيادة الفريق إلى وصافة الكالتشيو خلف يوفنتوس البطل، ليتأهل إلى دوري الأبطال، فيما استقبلت شباكه 17 هدفا في 27 مباراة.

وفي 13 أغسطس 1997، سجل ظهوره الأول في الأبطال، وكان ذلك أمام فريق ويدزي لودز البولندي، وبعمر 19 عاما و196 يوما، فيما منحته جماهير بارما في ذلك الموسم لقب "سوبرمان" بعدما تصدى لركلة جزاء من الظاهرة رونالدو لاعب إنتر ميلان المتوج بالكرة الذهبية.

واستمر بوفون في التألق مع بارما لمدة ستة مواسم، خاض خلالها 220 مباراة، كما قاد فيها بارما إلى التتويج بلقب الكأس الأوروبية في 1999 على حساب مرسيليا، وكأس إيطاليا والسوبر الإيطالي في نفس العام.

الانتقال التاريخي للسيدة العجوز

بعد ارتفاع شهرته، بدأ الجميع في خطب ود بوفون للانتقال له، وكان يوفنتوس الأكثر جدية، إذ منحه عرضا تاريخيا، ليوقع له بوفون في 3 يوليو 2001، مقابل 52 مليون يورو.

وبات بوفون بذلك أغلى حارس مرمى في التاريخ، وأغلى صفقة في تاريخ يوفنتوس، واستمر كذلك حتى قام السيدة العجوز بضم الأرجنتيني غونزالو هيغواين في 2016 من نابولي مقابل 100 مليون يورو.

وبعد اكتمال صفقته، أكد بوفون أن روما كان الوجهة الأنسب له قبل عرض اليوفي، فيما أكد أيضا تقدم برشلونة في مفاوضات ضمه.

وفي أول موسم له مع اليوفي، قاد بوفون السيدة العجوز إلى الفوز بالدوري، كما بات يوفنتوس صاحب أقوى دفاع، إذ استقبلت مرمى بوفون 22 هدفا في 32 مباراة، كما فاز بوفون بجائزة أفضل حارس في البطولة، ومنذ وقتها بدا يستعد لكتابة تاريخ طويل مع اليوفي، وهو ما حدث بالفعل.

بوفون قاد اليوفي للهيمنة على الكالشيو. (أ ب)

فضيحة الكالتشيوبولي

كان 2006 بمنزلة عام الأحداث الجسام لبوفون، فبعد أن حجز لنفسه مكانة مستقرة في حراسة يوفنتوس والمنتخب الإيطالي، وجد نفسه فجأة في مايو 2006 في خضم فضيحة كبرى، والتي اصطلح عليها بفضيحة الكالتشيو، الكالتشيوبولي، إذ تم الإعلان عن بوفون ضمن أحد المتورطين في المراهنة على مباريات.

وكان أن تم استجوابه من قبل القضاء في تورينو، ليعترف بأنه كان يراهن على المباريات، لكنه توقف منذ حظرها في الكالتشيو في 2006، إذ كانت قبل ذلك مباحة للاعبين. ولاحقا، في 27 يونيو 2007، تم تبرئة بوفون من أي تجاوزات في فضيحة الكالتشيو

وفي نفس العام، تمت إدانة يوفنتوس بالضلوع في الفضيحة، ومعاقبته بالهبوط إلى الكالتشيو B، ليمثل ذلك صدمة للفريق الإيطالي العريق، لكن كان بوفون على موعد من الشهرة والمجد في نفس العام، إذ توج بلقب المونديال مع الآزوري على حساب فرنسا.

وكان بوفون قاد اليوفي للقبين في الكالتشيو قبل الهبوط إلى الكالتشيو B، في 2002 و2003.

بوفون. (أ ب)

أسطورة الولاء

رغم الآثار الكبيرة التي ترتبت على قرار إرسال يوفنتوس إلى الهبوط، ظل بوفون متمسكا بالفريق، ولم يناقش حتى فكرة رحيله، رغم أنه كان في عز مجده. وقاد بوفون اليوفي إلى الفوز بلقب الكالتشيو B في 2006ـ 2007، قبل العودة مرة أخرى إلى الكالتشيو وبداية الاستعداد لهيمنة كبيرة قادة في الكالتشيو.

ووطد موقف بوفون مكانته الكبيرة في قلوب جماهير اليوفي، باعتباره ملك الولاء، وهو لا يزال يحظى بمكانة الأساطير في يوفنتوس أرينا.

وانطلقت الهيمنة بداية من موسم 2011، وقاد بوفون اليوفي إلى التربع على عرش الكالتشيو لسبعة مرات متتالية وهو رقم قياسي، قبل أن يرشح ويتوج بالكثير من الجوائز الشخصية الأخرى، أبرزها جائزة أفضل حارس الدوري الإيطالي 13 مرة، 12 منها مع يوفنتوس، كما كان أول حارس مرمى يتوج بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإيطالي.

الحارس الإيطالي بوفون. (أ ب)

بداية النهاية

بعد تتويجه بالقلب السابع تواليا مع اليوفي في الكالتشيو، والتاسع له مع الفريق، قرر بوفون الانتقال إلى باريس سان جيرمان الفرنسي في 2018، ليتبادل حراسة المرمى مع ألفونسو أريولا، وذلك بعد 17 عاما قضاها مع يوفنتوس وبعمر الـ40.

وانضم إلى سان جيرمان، ومعه بات ثاني أكبر حارس يشارك في دوري الأبطال، وذلك بعمر 40 عاما و282 يوما، بعد الحارس الأسترالي مارك شوازر، الذي بات أكبر حارس يشارك في الأبطال في 2013 عندما شارك مع تشيلسي ضد ستيوا بوخارست بعمر 41 و65 يوما.

وتوج مع سان جيرمان بلقب الدوري في ذلك العام، وكأس الأبطال الفرنسي.

وبعد موسم ونصف عاد بوفون إلى يوفنتوس في يوليو 2019، بعقد لموسم واحد، في خطوة فهم منها، رغبة يوفنتوس منحه شرف الفوز بالأبطال، بعدما ضم اليوفي ملك الابطال كريستيانو رونالدو في 2018 من ريال مدريد مقابل 100 مليون يورو.

لكن بوفون خرج فقط بتحطيم رقم الأسطورة باولو مالديني، ليصبح بالتالي الأكثر مشاركة في تاريخ الكالتشيو بـ657 مباراة، ليحل مالديني ثانيا بـ647 مباراة.

لعنة الأبطال

ربما لم يترك بوفون شيئا في عالم كرة القدم لم يحققه، لكن يظل دوري الأبطال أحد الألقاب المستعصية على الحارس الأسطورة.

وكان بوفون قريبا من الفوز مرتين، عندما قاد يوفنتوس للنهائي مرتين، في 2015 وخسرها أمام برشلونة، و2017، وخسر أمام الريال ونجمه كريستيانو رونالدو 4 ـ 1، ليتلاشى الحلم.

وفي 17 يونيو 2021 عاد بوفون إلى بارما الذي بدأت منه مسيرته الكروية، ليلعب معه موسمين، في دوري الثانية، ليقرر أخيرا الاعتزال بعمر 46 عاما.

رحلة الآزوري

منذ خوضه أول مباراة له مع منتخب إيطاليا 29 أكتوبر 1997 بعمر 19 عاما و9 أشهر، في التصفيات المؤهلة إلى مونديال 1998 في فرنسا أمام روسيا، ظل بوفون أيقونة المنتخب الإيطالي.

وخاض للمنتخب 176 مباراة، وهو يعتبر أكثر لاعبا ظهورا في تاريخ المنتخب الإيطالي، توج خلالها بلقب كأس العالم 2006، وحل وصيفا مع المنتخب في بطولة يورو 2012.

ويعتبر بوفون أيضا أكثر ظهورا كقائد مع المنتخب الإيطالي وذلك في 80 مباراة.

ويتشارك بوفون الرقم القياسي في عدد مرات الظهور في المونديال بخمس نسخ (1998، 2002، 2006، 2010 و2014)، مع كل من لوثر ماثيوس وميسي ورنالدو.

بوفون خلال مباراة إيطاليا والسويد 2017. (ا ب)

أعرف أكثر عن..

بوفون بين الهدوء والجدل

• رغم الهدوء الكبير الذي يميز الحارس جيانلويجي بوفون، فإنه كثيرا ما تسبب في حوادث جدلية، وكان أشهرها في موسم 2000 ـ 2002، عندما قرر ارتداء القميص رقم 88، قبل أن يتم انتقاده بسبب أن هذا هو رمز التحية النازية المجرّمَة، إذ أن حرف "H" هو ثامن الحروف بالأبجدية اللاتينية، وتكراره مرتين يعني (هايل هتلر)، لكن بوفون نفي ذلك، وتمسك بالدلالة البسيطة للرقم وهي أربع كرات متراصة بعضها فوق بعض، تمنحه القوة بعد تلقيه إصابة في يورو 2000، قبل أن يقوم تحت الضغط باختيار القميص رقم 77 مع بارما.

• قبل ذلك بعام وتحديدا في سبتمبر 1999، واجه بوفون انتقادات أيضا، بسبب ارتدائه قميصا مكتوبا عليه بخط اليد عبارة نازية مشهورة، ليعود ويعتذر عنها ويؤكد عدم معرفته بدلالاتها.

• في عام 2000، تعرض بوفون لخطر السجن لمدة أربع سنوات بتهمة تزوير شهادة ثانوية من أجل الالتحاق بجامعة بارما لدراسة القانون، ليتم تغريمه بمبلغ مالي في 2001.

• كانت اللحظة الأكثر كشفا لشخصية بوفون الجدلية، والشرسة، هو هجومه الشديد على الحكم الإنكليزي مايكل أوليفر بعد خروج يوفنتوس أمام الريال من ربع نهائي الأبطال في أبريل 2018، إثر احتساب الحكم ركلة جزاء جدلية على المدافع المغربي المهدي بنعطية، ليهاجم بوفون الحكم بشدة بعد المباراة، ويتم إيقافه لاحقا من قبل يويفا لـ3 مباريات في الأبطال.

بوفون تعرض للطرد بعد الاحتجاج على الحكم مايكل أوليفر. (أ ب)

أكثر وأكثر عن..

أرقام وإحصاءات بوفون

• من بداية مسيرته الاحترافية في 1995 وحتى الان، حيث موعد الاعتزال، خاض بوفون 1151 مباراة. 975 منها مع الأندية (استقبلت شباكه 825 هدفا، مقابل 429 "كلين شيت") و176 مع المنتخب الإيطالي (استقبلت شباكه 146 هدفا، مقابل 77 "كلين شيت، بحسب ترانسفير ماركت.

• توج خلال مسيرته بـ29 لقبا بما في ذلك مونديال 2006، وأيضا كأس السوبر الإيطالي (7 مرات)، وكأس إيطاليا (6 مرات)، ويتشارك الرقم القياسي مع روبرتو مانشيني.

• حامل الرقم القياسي في عدد مرات الظهور في الدوري الإيطالي (657 مباراة) وأيضا في أطوال مدة بدون هزيمة 975 دقيقة بدون هزيمة.

• أكبر حارس عمرا يتصدى لضربة جزاء في الكالتشيو بسن 43 عاما و3 أشهر و14 يوما.

• أول حارس ينال جائزة أفضل لاعب في منافسة أوروبية (2003) عندما قاد اليوفي إلى نهائي الأبطال.

سليل أسرة رياضية

يعتبر بوفون سليل أسرة رياضية بامتياز، إذ كانت والدته ماريا ستيلا رامية القرص ووالده، أدريانو رافع أثقال.

ولدى بوفون شقيقتين، هما فيرونيكا وغويندالينا وتلعبان كرة طائرة في المنتخب الإيطالي، أما خاله دانتي ماسوكو، فكان لاعب سلة في الدوري الإيطالي، كما مثل أيضا المنتخب الإيطالي.

وتجمع بوفون أيضا صلة قرابة بالحارس السابق لإنتر ميلان ونادي ميلان والمنتخب الإيطالي، وهو لورينزو بوفون.

عدم استقرار اجتماعي

وعلى الصعيد الاجتماعي، تعتبر حياة بوفون غير مستقرة نوعا ما، إذ ارتبط بلاعبة القوى العداءة الإيطالية فينشنزا كالي منذ عام 1999 واستمرت خطبتهما 3 سنوات وانفصل عنها عام 2002، ثم ارتبط بمصممة الأزياء الإيطالية ليندا سيرا وانفصل عنها عام 2005 ثم تزوج بعارضة الأزياء ألينا سيريدوفا في يونيو 2011، على الرغم من أن العلاقة بينهما كانت مُنذ عام 2005.

وأنجب بوفون من سيريدوفا كل من لويس توماس (ولد في عام 2007) وأسماه بذلك تيمنا بملهمه توماس نكونو، وأيضا دافيد لي (مواليد 2009)، ولاحقا في مايو 2014 ارتبط بوفون بالصحفية والمقدمة التلفزيونية الاريا داميكو، وأنجب منها طفلا في 2016.

وربما كان لهذا الأمر علاقة مع وضع بوفون النفسي، إذ كشف في كتابه "الرقم 1" الذي نشره في 2008، وحرره له الصحافي الإيطالي في كوريري دي لاسيرا روبرتو بيروني، أنه عانى من حالات إكتئاب بعد موسم 2002ـ 2003 مع يوفنتوس بعد ضياع لقب الأبطال، قبل أن يقابل طبيبا نفسيا في ديسمبر 2003، لكنه قال إنه رفض العلاج واكتفى بالنصائح.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة