معرفة

السفارة الفرنسية في العراق.. قصر مسلوب بلا ورقة إيجار

نشر
blinx
كانت البداية في ثلاثينيات القرن الماضي، حين وقف الشقيقان عزرا وخضوري لاوي فوق قطعة أرض تطل على نهر دجلة. على هذه الأرض، التي كانت تلتقط نسائم بغداد، شرعا في بناء قصرهما العائلي بأعمدة كلاسيكية، شرفات واسعة، غرف تطل على الحدائق، وسطح يجتمع عليه الأبناء كل مساء. كان البيت بالنسبة إليهما وعدا بالحياة والاستقرار، وامتدادا لجذور عائلتهما اليهودية التي عاشت في العراق منذ "السبي البابلي" قبل 2600 عام، كما يروي تقرير نيويورك تايمز.
لكن العالم تغير سريعا مع تصاعد العداء ضد اليهود بعد قيام دولة إسرائيل، إذ شهدت بغداد اضطرابات دامية، فر على إثرها كثيرون بحثا عن الأمان. ملك العراق نفسه نصح عائلة لاوي بمغادرة البلاد. انتقلت العائلة إلى كندا، لكنهم لم ينقطعوا عن بيتهم على دجلة. بقي القصر في قلوبهم وفي ذكرياتهم، وبقيت صوره معلقة في بيوت الأبناء والأحفاد، كما يروي فيليب خزام، حفيد عزرا لاوي: "لم أرَ البيت إلا في الصور... لكنه يسكنني كل يوم".

اتفاق بلا نهاية سعيدة

عام 1964، وبعدما أصبحت العودة مستحيلة، عقدت العائلة اتفاقا مع فرنسا باستئجار باريس المنزل ليصبح مقر سفارتها. كانت تلك محاولة لإنقاذ البيت من المصادرة، على أمل أن تكون فرنسا مستأجرا يحفظ المكان ويحترم العقد.
لكن ابتداء من 1969، بعد أن صادرت بغداد ممتلكات اليهود عبر قوانين تمييزية، بدأت فرنسا بتحويل الإيجار إلى الحكومة العراقية. وبحسب شهادات العائلة ووثائق القضايا المرفوعة، استمرت باريس بدفع جزء من الإيجار للعائلة حتى عام 1974، ثم توقفت تماما عن التواصل معهم، وفق ويست فرنس.
ظل البيت قائما، والسفارة الفرنسية تعمل فيه، والدبلوماسيون يتنقلون بين حدائقه. لكن العائلة المالكة لم تتلق فلسا واحدا طوال خمسين عاما.

معركة قانونية تتجاوز قيمتها المال

مع تقدم الزمن، لم تنطفئ القضية. بالعكس، تحولت إلى معركة تحاول العائلة عبرها إثبات أن فرنسا، التي تقدم نفسها كمدافع عن الحقوق، لم تحترم عقدها الأصلي، بل استفادت من قوانين عراقية "معادية لليهود" لتتملص من التزاماتها، وفق شكوى المحامين جان بيار مينيار وعمران جرمي في المحكمة الفرنسية عام 2024.
وفي رسالة مفتوحة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون، نقلتها لوفيغارو، قال فيليب خزام: "فرنسا لا يمكنها أن تحتل ممتلكات مسلوبة... هذا ما يفعله الديكتاتوريون لا الدول الديمقراطية".
تطالب العائلة اليوم بتعويض يقارب 21 مليون يورو عن الإيجارات غير المدفوعة منذ نصف قرن، إضافة إلى تعويضات معنوية.
فرنسا، من جهتها، تر بأن المسؤولية تقع على عاتق العراق وحده، إذ إن القوانين العراقية هي التي جردت اليهود من ممتلكاتهم. لكن هذا الموقف يضع باريس في وضع حرج، إذ تظهر كدولة ديمقراطية تستند في دفاعها إلى قوانين تمييزية صدرت عن نظام استبدادي، وفق تحليل نيويورك تايمز.

صمت دبلوماسي.. وغضب عائلة

تقدم العائلة بشكاوى منذ سبعينيات القرن الماضي. لكن الوثائق التي نشرتها ويست فرنس تؤكد أن وزارة الخارجية الفرنسية لم تجب على معظم المراسلات، حتى حين حاول وزير الخارجية الأسبق جان-إيف لودريان إعادة فتح الملف عام 2022. بقيت جهوده دون نتيجة، كما ورد في رسالته التي نشرتها الصحيفة.
أما تقرير ليبيراسيون فيصف الموقف الفرنسي بأنه "احتلال بلا ورقة إيجار"، ويشير إلى أن وزارة الخارجية لم تعيّن حتى محاميا للرد على القضية في بعض مراحلها.

بيت يتحول إلى رمز

لم تعد القضية مجرد نزاع مالي، بل قصة ممتلكات صودرت بقوة قوانين تمييزية، ثم دخلت في قلب علاقة معقدة بين دولة غربية وعائلة تعرضت للتهجير.
كما أنها تختبر الخطاب الفرنسي الرسمي حول مكافحة معاداة السامية وحماية الذاكرة التاريخية.
ففي الوقت الذي يشدّد فيه الرئيس ماكرون على أن "الجمهورية ستقف دائما ضد الكراهية"، يجد نفسه أمام دعوى تقول إن فرنسا استفادت من قوانين معادية لليهود ورفضت إصلاح الخطأ لعقود، كما يشير تقرير نيويورك تايمز.
بالنسبة لأحفاد عزرا وخضوري لاوي، لا يتعلق الأمر بآلاف الأمتار من الحجر والطوب. يقول أحدهم: "البيت جزء من ذاكرتنا.. آخر صلة لنا ببغداد التي فقدناها".

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة