لايف ستايل

من مكب نفايات وكارثة بيئية لمحمية طبيعية.. الحياة تعود لوادي غزة

نشر

.

Muhammad Shehada

الرائحة كانت لا تطاق بتاتاً، ومنظر تلال القمامة وهي تتخللها المياه العادمة يوحي بأن المكان لا أمل منه، واسمه كان يبعث النفور في النفس. هذا المكان الذي ظل مكباً للنفيات لعقود طويلة يوشك أن يعود لأمجاده التاريخية مرة أخرى. فمشروع إعادة تأهيل وادي غزة وتحويله لمحمية طبيعية نجح حتى اللحظة في إزالة نحو 35 ألف طن نفايات صلبة وتكرير مياه الصرف الصحي الواردة إليه، ما يبشر بتحويل المكان كلياً لمنطقة خضراء ومتنزه عام.

مقاطع مصورة لوادي غزة نهاية العام الماضي أظهرته بشكل مختلف جذرياً عما اعتاد المكان أن يكون عليه على الرغم من أن المشروع ما زال في بدايته. المياه بدت أنقى من المعتاد والأشجار الخضراء زينت جانبي مجرى الوادي، ما يعطي أملاً بأن إحياء الطبيعة في تلك المنطقة ممكن.

تهديد كارثي

على مدار العقود الثلاثة الماضية، شكل وادي غزة تهديداً كارثياً للبيئة من حوله أدى لتهجير المواطنين القاطنين بالقرب منه بالإضافة لعشرات أنواع الطيور والحيوانات البرية وموت آلاف الأشجار وإتلاف الأراضي الزراعية. عشرات آلاف الفلسطينيين يمرون يومياً من فوق جسر وادي غزة الذي يتوسط القطاع المحاصر، ويسدون أنوفهم في كل مرة يقتربون من المكان من قوة رائحته الكريهة التي تنتشر مساء بشكل أكبر على المناطق المحيطة بالمكان.

تلوث الوادي لهذه الدرجة شكل أيضاً بيئة خصبة للبعوض والحشرات الضارة الناقلة للأمراض، كما وساهم الوادي بتلويث مياه شاطئ بحر غزة لمستويات خطرة نتيجة المياه العادمة التي تصب فيه دون معالجة أو تكرير.

لكن وادي غزة لم يكن دائماً على هذا الحال. بل كان قبل الاحتلال الإسرائيلي وحصار القطاع مجرىً لنهر النقب ووديان جبال الخليل بطول نحو 90 كيلو متر، تسع كيلومترات منها واقعة في قطاع غزة. الوادي مذكور في العهد القديم حيث تخلف نحو مئتي رجل من رجال داود عند ذاك الوادي بسبب الإغماء، بينما استمر باقي الرجل الأربعمائة بمطاردة العماليق. ويصب وادي غزة بجوار منطقة تل العجول الأثرية الذي يعود تاريخه لنحو ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد.

ما الذي حصل؟

المياه الطبيعية في وادي غزة أصبحت نادرة بعد قيام إسرائيل بتحويل إمدادات الوادي لخزانات مياه قبل وصولها لقطاع غزة، ما جعل الأرض الرطبة جافةً لسنوات واقتصر وصول المياه إليها على فصول الشتاء الممطرة عندما تقوم السلطات الإسرائيلية بفتح السدود أو صيانتها. هذا الأمر ساهم في التوسع العمراني العشوائي في المنطقة التي أصبحت جافة.

ومع اشتداد القيود الإسرائيلية على قطاع غزة منذ عام 1991 وسط الانتفاضة الأولى، وفرض الحصار الإسرائيلي رسمياً عام 2007، تآكلت البنية التحتية في غزة بينما تكبد الاقتصاد الفلسطيني حوالي 17 مليار دولار خلال الأعوام 2007-2018 وفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. إضافة إلى ذلك، لحقت أضرار بالغة بمنشآت الصرف الصحي ومعالجة المياه جراء القصف الإسرائيلي على غزة في حروب متتالية، بينما تسبب نقص الطاقة والوقود الناتجان عن الحصار في إيقاف تشغيل بعض محطات المياه. كل ذلك فاقم من أزمة وادي غزة لتصبح على الشكل المعروف للسكان المحليين كمجرى للمياه العادمة غير المعالجة ومكب للنفايات.

لكن في عام 2019، بادر فلسطينيون وخبراء من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP بإنشاء خطة شاملة لإعادة تأهيل المنطقة خلال خمسة أعوام شرعوا بتنفيذها العام الماضي بمشاركة خمس بلديات فلسطينية محلية وسلطة المياه والطاقة الحكومية وخبراء ألمان لحل مشاكل النفايات والمياه العادمة والفيضانات الموسمية في المكان.

خطة استعادة الوادي كمحمية طبيعية تمر بثلاثة مراحل. الأولى تركز على تنقية وتنظيف مصادر مياه الوادي ومجراه وإزالة النفايات من المكان حيث أزيل حتى اللحظة أكثر من 35 ألف طن من القمامة الصلبة. وقد ساعد في تنقية مياه الوادي إقامة محطة تكرير مياه عادمة ألمانية عام 2021 تقوم بتكرير 60 ألف متر مكعب يومياً بعد أن استغرق التخطيط والبناء نحو عشرين عاماً بسبب الحصار.

أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة تشجير المنطقة وبناء عوازل طبيعية للحماية من فيضان الوادي بالإضافة لوضع أنظمة إضاءة تعمل بالطاقة الشمسية.

والمرحلة الثالثة هي جعل الوادي وجهة سياحية وثقافية لسكان القطاع، حيث تشمل المرافق المخطط لها ملاعب وكافيتريات ومطعم ومواقف للسيارات ومتحف للتنوع البيولوجي وحديقة نباتية وأبراج مراقبة الطيور وصالة ألعاب رياضية ومرافق للألعاب مثل التنس وملاهي ومنطقة تخييم بحسب وكالة التنمية الأممية.

وقد تعاونت الوكالة مع مؤثرين وفنانين فلسطينيين للترويج للمكان وتشجيع الزوار على رؤيته، كما وتنظم UNDP جولات للوافدين لوادي غزة يقدم لهم خلالها كرات طينية مليئة ببذور النباتات الأصلية ليقوموا برميها على الأرض لتشجيع عودة النباتات.

وظائف للمئات

بإمكان هذا المشروع أن يخلق متنزها طبيعياً ومنطقة استجمام مهمة بطول تسع كيلومترات لمليوني فلسطيني يعيشون في مساحة أقل من 365 كم2 ويواجهون بعضًا من أصعب الضغوط على الأرض. ويأمل القائمون على تأهيل وادي غزة من أن يوفر مشروعهم الوظائف لمئات الشبان الذيم يعانون من أزمة بطالة خانقة وصلت نسبتها لـ73,9% بين من بلغت أعمارهم 19-29 عام. ويبدي علماء البيئة في غزة تفاؤلاً بأن تنظيف الوادي وتحويله لمحمية طبيعية قد يشجع عودة الحيوانيات والطيور البرية للقطاع، حيث يمر سنوياً نحو 500 مليون طائر مهاجر خلال أراضي فلسطين التاريخية.

تكلفة مشروع تأهيل وادي غزة التاريخي حوالي خمسين مليون دولار، نجحت الجهات المشرفة على إعادة إحياء الوادي بتأمين 9.3 مليون دولار منها من المانحين الدوليين من اليابان وبلجيكا والنرويج.

وعلى الرغم من التفاؤل والأمل الذي تبعثه الفكرة في نفوس سكان القطاع، إلى أن بعض العوامل السياسية تشكل تهديداً على المشروع كصعوبة استيراد مواد البناء في ظل الحصار الإسرائيلي، وإمكانية شل محطات معالجة المياه إذما أوقفت السلطات الإسرائيلية دخول الوقود للقطاع، بالإضافة لخطر تضرر المنشآت والبنية التحتية في المكان في حال اندلاع حرب أخرى.

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة