أسواق

"موزاريلا الصين" تأكل من السوق الأوروبية

نشر

.

Bouchra Kachoub

كان الإيطالي توماسو رازوليني يتصفح الإنترنت حينما صادفته صورة لعلبة جبن موزاريلا أنتجتها شركة صينية. على واجهة العلبة توجد صورة لبرج بيزا المائل بجانب جُندول لمدينة البندقية مع اسم المنتوج بالإنكليزية "جبنة موزاريلا أوروبية".

شعر رازوليني بالإهانة لما تعرضت له "جبنته" الإيطالية الأصيلة من تجريد لكل خصائصها المميزة وسارع في إبلاغ وزارة الزراعة والسيادة الغذائية في بلده عن جبن الموزاريلا الصينية.

اجتياح السلع الصينية الأسواق الأوروبية، ليس بالأمر الجديد، لكن المؤثر هذه المرة هو الدخول إلى مجال المنتجات التاريخية لبعض الدول، مثل "موزاريلا رازوليني"، في الوقت الذي يظل فيه الاقتصاد الأوروبي عاجزا عن مقاومتها.

العجز يصعق أوروبا

في ظل غياب التوازن بين حجم التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي، وصف فالديس دومبروفسكيس، مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي، الوضع بمثابة عجز "صاعق"، حسب ما نقلته مجلة فاينانشال تايمز.

نعت دومبروفسكيس للعجز التجاري بين الطرفين بالصاعق هو خلاصة نوعية لمعطيات كمية تفيد أن صادرات الصين إلى أوروبا بلغت العام الماضي 626 مليار يورو. هذه القيمة تتجاوز بـ 3 أضعاف صادرات أوروبا إلى الصين والتي تقدر بـ230 مليار يورو.

لخلق التوازن الذي يطمح له دومبروفسكيس، يتوجب على دول الاتحاد الأوروبي ضخ 400 مليار يورو من الصادرات في السوق الصينية.

فجوة 400 مليار يورو جعلت مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي يتعهد بالضغط على الصين في اجتماع رفيع المستوى، ينعقد في سبتمبر 2023، للتقليل من الحواجز التي تفرضها أمام الصادرات الأوروبية مثل الرسوم الجمركية، حسب صحيفة نيويورك تايمز.

بالنسبة لدومبروفسكيس، تمتلك الصين فائضا تجاريا ضخما يسمح لها بالانفتاح على الأسواق الأخرى، لكنه يشير إلى أن نفس هذا الانفتاح لا تتمتع به الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

يدعو مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي فالديس دومبروفسكيسا الصين لفتح أسواقها (المصدر أ. ب)

وبانضمامها لمنظمة التجارة العالمية عام 2001، أي بعد 6 سنوات من إنشائها، استفادت الصين بشكل كبير من عضويتها. وبحسب تقييم دومبروفسكيس، كانت الاستفادة غير متكافئة مع الدول الأخرى مما جعله يدعو الصين إلى بث حياة جديدة في نظام التجارة الدولي بطريقة تخدم مصالح الجميع.

ولمعالجة هذا الخلل في التوازن في الصادرات، أكد المسؤول الأوروبي أن دول الاتحاد ستناقش هذه القضايا مع الصين مؤكدا ضرورة الحفاظ على علاقات جيدة معها.

تسلح أوروبي

في مواجهة الصين، يخطط الاتحاد الأوروبي للرد بشكل أقوى على المخاطر المحدقة بأمنه الاقتصادي، وفق ما ذكرته وكالة فرانس برس في يونيو 2023. يقول دومبروفسكيس "نحن على استعداد لاستخدام مجموعة من الآليات" إذا تضرر القطاع الصناعي الأوروبي، ومن بينها المقاطعة ومنع الاستثمارات في الأسواق الأوروبية.

لكن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تشعر بالقلق من استعداء الصين وبدء حرب تجارية.

بالنظر إلى هيمنة الصين على التكنولوجيا الخضراء، شدد دومبروفسكيس أن الكتلة تريد أن تناقش "إزالة المخاطر" وليس "فصل" التبادل التجاري، وأضاف قائلا "نحن بحاجة إلى إيجاد طرق للتعاون مع الصين مع معالجة المخاطر والتبعيات الاستراتيجية المحتملة".

ومن جهته، يؤكد ماركوس بيرر مدير عام مجموعة بيزنيس يوروب لوكالة فرانس برس أن "الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تحقيق التوازن الصحيح بين حماية مصالحه الأمنية والحفاظ على بيئة مواتية للتجارة والاستثمار".

تتوقع الصين رفع صادراتها من السيارات الكهربائية لأوروبا بحلول 2025 (المصدر أ. ب.)

سيارات صينية تدهس نظيرتها الأوروبية

لسنوات طويلة، ظلت الصادرات الصينية تهدد الصناعة المحلية. في قطاع صناعة السيارات الكهربائية مثلا، والذي يعد تاريخيا من اختصاص القارة العجوز، تشهد المبيعات الصينية ارتفاعا ملحوظا ويُتوقع أن ترتفع أكثر في السنتين المقبلتين لتهيمن على 15٪ في سوق السيارات الأوروبية، بحسب موقع ساوث تشاينا مورنينغ بوست.

تشمل السلع الأخرى الأكثر تداولا بين الاتحاد الأوروبي والصين الآلات والسلع المصنعة والمواد الكيميائية ومعدات الاتصالات، تليها آلات معالجة البيانات، والأجهزة الكهربائية، وفق موقع تشاينا بريفينغ.

لكن الصين تتراجع عن تصدير بعض موادها الخام الأساسية حيث أعلنت في يوليو المنصرم عن فرضها لقيود على تصدير معدني الغاليوم والجرمانيوم والمعادن المستخدمة في الرقائق والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات ابتداء من شهر أغسطس 2023، وفقا لرويترز.

وتعتبر هذه الخطوة ردا على القيود التي تفرضها أميركا وأوروبا على صادراتها من الشرائح الالكترونية للصين، وفي نفس الوقت تزعم الصين أن قيودها الجديدة تدخل ضمن استراتيجيتها لحماية مصالحها وأمنها القومي، حسب موقع سي إن إن.

وردا على تقييد صادرات معدني الغاليوم والجرمانيوم، يقوم الاتحاد الأوروبي "بتحليل مفصل لتأثيرها المحتمل على سلاسل التوريد والصناعات في الاتحاد الأوروبي". ويصرح دومبروفسكيس أنه تمت "هناك مخاوف لأن قيود التصدير هذه تتجاوز ما هو مطلوب لحماية المصالح الأمنية الأساسية".

نتائج عكسية لحرب أميركا على الصين

تخوفات دومبروفسكيس من هيمنة صادرات الصين ليست بالجديدة حيث سبق وأن وصفت الممثلة التجارية الأمريكية كاثرين تاي قبل سنتين أن العلاقة التجارية الأميركية-الصينية "غير صحية" و"غير متوازنة"، وفقا لما نقلته عنها وكالة بلومبرغ.

بسبب العلاقات التجارية غير المتوازنة، كانت قد لجأت الولايات المتحدة إلى فرض رسوم جمركية خلال فترة ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب في محاولة لتغيير نهج بكين وردع تصاعد اقتصادها العالمي. ومع ذلك، في عام 2022، سجلت وارداتها من السلع والخدمات من الصين رقمًا قياسيًا، وفقا لما أوردته فاينانشال تايمز.

فرضت الولايات المتحدة على صادرات الصين ضرائب جمركية عام 2018 (المصدر أ. ب)

وخلال هذه الحرب التجارية التي شنتها أميركا على الصين، حولت هذه الأخيرة بعض مشترياتها من السلع الأجنبية بعيدًا عن الولايات المتحدة، حسب دراسة أجراها معهد بيترسون للاقتصاد العالمي، وهو ما أدى إلى نتائج عكسية لما كانت تتوقعه الولايات المتحدة.

ولإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها، أعلن الرئيسان دونالد ترمب وشي جين بينغ عن هدنة في يناير 2020 تعهدت الصين من خلالها زيادة وارداتها من الولايات المتحدة بمقدار 200 مليار دولار على مدى عامين. وبالرغم من ذلك، لم تقترب الصين من تحقيق هدفها وبالكاد وصلت الصادرات الأمريكية إلى مستويات ما قبل الحرب التجارية، حسب نتائج الدراسة.

ويشير موقع تاكس فاوندايشن إلى أن إدارة بايدن كانت تدرس إمكانية إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بسبب ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار الذي أضر بالصناعة وبالشركات في الولايات المتحدة، لكن بايدن قرر إبقاءها بحسب ما ورد على وكالة رويترز.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة