أسواق

الصين تعطس، العالم يمرض.. لماذا يثير انخفاض الأسعار في الصين الهلع؟

نشر

.

Muhammad Shehada

ربما تبدو المقارنة غريبة بعض الشيء، لكن انخفاض أسعار اللحوم في الصين مؤخراً، قد يكون له ارتباط وثيق بارتفاع مستوى البطالة في بلدك، وتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي، وبالتالي إشعال فتيل احتجاجات شعبية في الصين، وشح في سلع معينة. فكيف يحدث ذلك؟ ولماذا يقلق خبراء الاقتصاد من انخفاض الأسعار المتواصل في الصين؟ ولماذا يعتبر انخفاض سعر سلعة قد تكون غير مهمة لبلدك خبرا سيئا؟

التضخم ضرب العالم، لكن في الصين ٠٪

كلمة "التضخم" كانت واحدة من أكثر الكلمات انتشارا على مستوى العالم منذ العام الماضي، حيث يشهد العالم ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار السلع والوقود والمواد الخام والأطعمة وغيرها.

في مصر مثلاً، ارتفع سعر اللحوم العام الماضي ليتراوح بين 170 و200 جنيه للكيلو، بينما واصل السعر الارتفاع هذا العام ليصل يوم اليوم 9 أغسطس في بعض مناطق القاهرة إلى نحو 400 جنيه للكيلو. الأسباب في التضخم العالمي كثيرة، منها تبعات وباء كورونا والحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية.

أزمات الصين الاقتصادية تؤثر على كل شيء في العالم.. تقريبا. أ ب

بينما كان العالم يعاني، كانت الصين الناجي الأبرز من أزمة التضخم، فبينما وصلت نسبة التضخم في أميركا لنحو 6,5% في عام 2022، وتجاوزت النسبة 9.2% في الاتحاد الأوروبي، وتخطت في مصر 13.9%، كانت تلك نسبة في الصين 2% فقط في نفس العام، واستمرت بالانخفاض نحو صفر٪ وهو ما يسميه خبراء الاقتصاد التسطح السعري Flatlining.

الأسعار ٠.٣٪ تحت الصفر

المثير للاهتمام هو أن مؤشر أسعار المستهلكين في الصين انخفض لنسبة 0.3% تحت الصفر في آخر 12 شهراً، بينما انخفض مؤشر أسعار المنتجين لنسبة 4,4% تحت الصفر في نفس الفترة.

لماذا تعتبر كل هذه الأرقام المبشرة، بمثابة خبر سيئ للصين، وبالتالي للعالم أجمع؟

تستمر الأسعار بالانخفاض بشكل متواصل في الصين ما يهدد باقي دول العالم. أ ب

هذه الأرقام الإيجابية تعني دخول الاقتصاد الصيني في مرحلة انكماش مالي، حيث تستمر الأسعار بالانخفاض بشكل متواصل. فمثلا كان لحم الخنزير أحد أبرز مؤشرات هذا الانكماش، حيث تراجع سعره بنسبة 40% هذا الشهر، مقارنة بشهر سبتمبر من العام الماضي. أي أنك لو اشتريت كيلو اللحم في بكين بـ100 يوان العام الماضي، فإن سعره اليوم لا يتجاوز 60 يوانا للكيلو.

ما الخطر في انخفاض الأسعار؟

قد يتبادر لذهن القارئ أن هذا الأمر جيد، فالمستهلك دائماً يحب انخفاض أسعار السلع اليومية. وبالطبع، أحد الحيل التي تستعملها المحال التجارية لجذب زبائن جدد ورفع معدل استهلاك الزبائن هو الحسومات على بعض أسعار معروضاتها. بالإضافة لمواسم مخصصة للتخفيضات الكبرى، كيوم الجمعة السوداء، بلاك فريداي، الذي يغري المستهلكين لإنفاق المال بشكل أكبر لاكتناز بضائع رخيصة.

لكن في واقع الأمر انخفاض الأسعار المستمر هذا يعد مؤشراً مثيراً للقلق، وقد يدفع المستهلكين للإحجام عن شراء المنتجات والخدمات ترقباً لانخفاض أسعارها بشكل أكبر.

بعد رفع قيود كورونا حول العالم، اتجه المستهلكون في الدول الغربية لما يسمى بـ"الإنفاق الانتقامي". أ ب

الأمر واضح في نموذجي العقارات والسيارات مثلاً، حيث يقول المستهلك لنفسه لماذا اشتري منزلاً بـ٤٠ ألف دولار اليوم إذا كان سعره سينخفض إلى ٣٠ ألفا بعد عام أو اثنين ما يجعل شراء المنزل قراراً استثماريا خاسراً. قس على ذلك شراء الهواتف أو الساعات أو الاكسسوارات وغيرها من السلع التي يخشى المستهلكون أن شراءها في اللحظة وسط تناقص الأسعار المستمر يعني فقدان قيمتها.

تأثير الدومينو

الإحجام عن الشراء والاستهلاك يعني انخفاض الطلب، وهو ما يفرض على المنتجين والبائعين خفض الأسعار لتحفيز الاستهلاك والشراء ما يخلق حلقة مفرغة من الانكماش المتزايد. علاوة على ذلك، اضطرار المنتج والبائع لخفض الأسعار يعني تدني هامش الربح بشكل أكبر، ما قد يضطرهم للتخلي عن عدد من الموظفين أو تخفيض رواتبهم وترشيد النفقات.

كما يدفع انخفاض الأسعار، المستثمرين للامتناع عن ضخ الأموال في استثمارات أصبحت عوائدها الربحية ضعيفة وقليلة. وبالتالي، يصيب التباطؤ عجلة الاقتصاد وتنهار وتفلس بعض الشركات، وتزداد نسبة البطالة ما يعني انخفاض الطلب مرة أخرى بسبب قلة الإمكانات المادية للمستهلك، وهكذا.

بالإضافة لذلك، يدفع الانكماش المستثمرين والمستهلكين للإحجام عن طلب القروض البنكية حتى وإن وصلت نسبة الفوائد عليها صفر٪.

فإذا اقترضت مثلاً عشرين ألف دولار بدون أية فوائد لزراعة محصول من البطيخ، وعندما يثمر الحقل، سيكون سعر البطيخ في السوق قد انخفض بنسبة 10%، وبالتالي تخسر أموالك. وعند السداد، إذا وصلت نسبة الانكماش 5% فسيكون المال الواجب عليك إعادته أعلى بتلك النسبة من حيث قدرته الشرائية مقارنة باليوم الذي حصلت فيه على القرض البنكي.

الحل؟ الحفاظ على التضخم الاقتصادي

لذلك، فإن السيناريو الأفضل اقتصادياً هو ثبات معدل التضخم على حوالي 2% سنوياً، لاستمرار نمو الاقتصاد بشكل سليم من حيث تدفق الاستثمارات وخلق فرص العمل والتوازن بين الإنتاج والاستهلاك.

بالنسبة لدول العالم، فإن أحد إيجابيات الانكماش في الصين قد تكون خفض أسعار الصادرات الصينية وهو ما قد يخفض من معدل التضخم حول العالم. لكن انخفاض أسعار الصادرات الصينية، قد يضر بالشركات المحلية في الدول المستورِدة غير القادرة على منافسة تلك الأسعار، وهو ما قد يدفع بعضها للتخلي عن الموظفين أو تقليل الإنتاج أو الإفلاس.

ما سبب الانكماش في الصين؟

عندما ضرب وباء كورونا العالم عامي 2020-2021، قدّمت غالبية الحكومات الغربية مساعدات مالية وحوافز للشركات والسكان بأشكال مختلفة للمحافظة على الاقتصاد من الركود أو الانكماش.

الولايات المتحدة الأميركية، مثلاً، دفعت في شهر مارس 2020 لكل مواطن 1200 دولار، مع إضافة 500 دولار عن كل طفل، وهو ما رفع من معدل الاستهلاك وساهم إلى حد ما في نمو نسبة التضخم.

بالمقابل، لم تتخذ الحكومة الصينية إجراءات مشابهة، بينما فرضت سياسة "صفر كوفيد" الأكثر صرامة في العالم لمواجهة الوباء، وهو ما ترك السكان في وضع أكثر فقراً.

إنفاق انتقامي في عالم ما بعد الوباء

بعد رفع قيود كورونا حول العالم، اتجه المستهلكون في الدول الغربية لما يسمى بـ"الإنفاق الانتقامي"، في ارتياد المطاعم وأماكن الترفيه، وحجز رحلات للسفر والسياحة وشراء سلع وخدمات استهلاكية لتعويض فترات الإغلاق. لكن الصينيين لم يكن لديهم الفائض الادخاري الكافي لهذا الأمر.

بينما تقول بلومبيرغ إن قطاع الخدمات في الصين وخاصة قطاع السياحة يشهد أداء جيداً للغاية، ما يعني أن الصينيين يقومون بالسفر والإنفاق إلا أنهم لا يقومون بشراء السلع ذات الأسعار المرتفعة كالعقارات والسيارات ترقباً لانخفاض أسعارها بشكل أكبر.

يساهم في ارتفاع معدل الانكماش في الصين ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في أوساط الشباب الأكثر ميلاً للإنفاق على السلع الترفيهية والاستهلاكية، حيث وصل ذلك المعدل لنحو 21,3% بين مَن تتراوح أعمارهم 16-24 عاماً، بينما تترقب الصين تخرج أكثر من 11.3 مليون شاب من الجامعات هذا العام ليقابلوا سوقاً يعيش ظروفا قاسية ومعقدة.

بعد كورونا جاءت الحرب مع أميركا

بعد التعافي من سياسة "صفر كوفيد"، جاءت الحرب الاقتصادية الدائرة مع الولايات المتحدة وأزمة الديون الداخلية للصين، وأزمة فقاعة العقارات التي خسرت فيها شركة إيڤرغراند الصينية وحدها نحو 81 مليار دولار وانتقال بعض الشركات لتنويع مصادر الإمداد من دول أخرى مثل الهند.

يضاف إلى ذلك تضييق الحكومة الصينية الخناق على شركات التكنولوجيا المتقدمة منذ شهر نوفمبر عام 2020 مثل مجموعة antgroup للملياردير الشهير جاك ما، وهو ما أدى لخسائر بالمليارات في العديد من الشركات والقطاعات المختلفة.

كيف تحاول الصين التعافي، ليرتاح العالم؟

توجد العديد السياسات الاقتصادية لمواجهة الانكماش، لكن لا توجد وصفة سحرية لحل المشكلة، وتختلف الحلول باختلاف طبيعة الدولة وظروفها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

أحد الحلول هو خفض معدل الفائدة على الودائع وتقريبه من صفر٪، وهو ما يعطل حافز الإدخار لدى البعض. الحكومة اليابانية لجأت لهذه الطريقة، ودفعت بأسعار الفائدة للسالب، أي أن أموالك تتناقص إذا احتفظت بها في البنك. ولكنها ليست بالحيلة المجدية، فقد يلجأ المودعون ببساطة لسحب أموالهم من البنوك وهو ما يضر أكثر بعجلة الاقتصاد.

السياسات الأخرى المتعارف عليها هي إلغاء الديون وخفض الضرائب على الأفراد والشركات، ورفع الإنفاق الحكومي والمساعدات المشجعة على الاستهلاك وتقديم قروض بفوائد منخفضة.

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة