كوارث طبيعية

إسبانيا جفت.. لا أمطار للمواطنين ولا زيت للعرب

نشر

.

Bouchra Kachoub

لا تخلو الموائد العربية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط من أطباق محضرة بزيت الزيتون، كما لا تخلو موائد الإفطار على وجه الخصوص من صحون زيت زيتون بكر تغمس فيها مباشرة قطع خبز طازج. الآن هذا الطبق البسيط مهدد بسبب الجفاف غير المسبوق.

إسبانيا من أكثر دول العالم إنتاجا لزيت الزيتون إذ يقترب إنتاجها من 6 ملايين طن، وعربيا يعد المغرب من أكثر الدول العربية إنتاجا لهذا الذهب الأخضر إذ يقترب إنتاجه من مليوني طن.

أما من الناحية الاستهلاكية عربيا، يحتل المغرب كذلك المرتبة الأولى و يليه كل من الجزائر وسوريا والسعودية وتونس والأردن.

لأن إسبانيا من أكبر منتجي زيت الزيتون في العالم، فهي بذلك من أكبر مصدريه إذ تبلغ قيمة التصدير الإجمالية 230 مليون دولار، توجه منها 15 مليون دولار للإمارات العربية المتحدة و 11 مليون دولار للمملكة العربية السعودية.

لا أمطار

الظروف المناخية في السنوات الأخيرة قد تقلل من واردات زيت الزيتون للدول العربية، إذ يثير الجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة بصورة غير طبيعية مخاوف من تسجيل "كارثة" في قطاع إنتاج زيت الزيتون، إذ يشهد القطاع الذي تضرر بصورة كبيرة في العام 2022 تراجعاً في الإنتاج ويواجه احتمال تسجيل نقص في كميات الزيت.

ويقول كريستوبال كانو، الأمين العام لاتحاد صغار المزارعين في الأندلس، جنوب إسبانيا، مركز زراعة الزيتون في البلاد، إن "التربة جافة بسبب انحباس الأمطار بالكامل تقريباً منذ يناير".

هذا الأربعيني الذي يملك عشرة هكتارات من أشجار الزيتون في ألكالا لا ريال في جنوب البلاد، لم يشهد يوماً مثل هذا الوضع المقلق في مسيرته الممتدة منذ عشرين عاما. ويحذر قائلا "إذا لم نشهد أي تغيير جذري في الأسابيع المقبلة، سنكون أمام كارثة".

حرارة أغسطس في أبريل

تشير هيئة الأرصاد الجوية المحلية إلى أن كمية المتساقطات المتراكمة منذ الأول من أكتوبر أقل من المستوى الطبيعي بنسبة 25% على الأراضي الإسبانية بالمجمل، وبنسبة 50% في جزء كبير من الأندلس، حيث خزانات المياه لم تصل سوى إلى 25% من قدرتها الإجمالية.

هذا النقص الكبير في الأمطار تفاقم نهاية أبريل الفائت جراء موجة حر مبكرة بشكل استثنائي. وقد سُجل مستوى قياسي مطلق لشهر أبريل في البر الرئيسي الإسباني في قرطبة بمنطقة الأندلس، مع حرارة بلغت 38.8 درجة مئوية، ما يشبه المستويات المسجلة عادة في شهر أغسطس.

يذكّر مدير جمعية منتجي الزيتون ومصدّريه رافاييل بيكو بأن هذا الوضع "تزامن مع تفتّح أزهار" شجر الزيتون، مبدياً خشيته من يباس الأزهار على الأشجار. ويقول "من دون زهر، لا زيتون، ومن دون زيتون، لا زيت".

ضياع ٥٠٪ من إمدادات العالم

بالنسبة لإسبانيا، التي تزود العالم عادة بـ50% من زيت الزيتون في العالم، مع صادرات تقارب ثلاثة مليارات يورو سنوياً، فإن الوضع مثير للقلق بشكل أكبر مع خروج القطاع من وضع كارثي لموسم 2022-2023.

بسبب نقص المياه ودرجات الحرارة القصوى، استقر إنتاج زيت الزيتون الإسباني عند 660 ألف طن، مقارنة بـ1,48 مليون طن في 2021-2022، بانخفاض 55% وفق وزارة الزراعة.

يُتوقع أن يتكرر السيناريو نفسه هذا العام. يقول رافائيل سانشيز دي بويرتا، مدير عام تعاونية "دي كوب" الرائدة في مجال الزيتون في إسبانيا "نظراً لتوقعات الطقس، يبدو الأمر واضحاً تقريباً، نحن في طريقنا إلى عام قاتم جديد".

يحكي دي بويرتا "بالإمكان تحمل عام سيئ، فهذا جزء من تقلبات الزراعة. لكن مع عامين سيئين متتاليين، يكون الوضع كارثياً. بات كثيرون بالفعل على شفير الهاوية".

من شراء الآلات إلى دفع الرواتب وسداد القروض، "يحتاج المزارعون إلى المال للحفاظ على نشاطهم"، بحسب رافائيل بيكو الذي يرى أن "القطاع بأكمله سيعاني". يقول "في إسبانيا، زيت الزيتون يوفر لقمة العيش لكثير من الناس".

ارتفاع الأسعار

بالنسبة للمستهلكين، فإن التوقعات قاتمة أيضاً. يذكّر رافائيل بيكو بأن "السعر العالمي لزيت الزيتون يعتمد إلى حد كبير على ما يحدث في إسبانيا"، متوقعاً حصول توترات في السوق.

في الأشهر الأخيرة، قفزت الأسعار بشكل ملحوظ. وتلاحظ فاني دي غاسكيه من شركة الوساطة "بايون إنتركور" أن "زيت الزيتون كان يُباع في منتصف أبريل بسعر 5800 يورو للطن، بارتفاع عن أسعاره في يناير هذا العام، بينما كانت الأسعار منخفضة بشدة قبل عام، إذ بيع الطن بـ3500 يورو في يناير 2022".

الأندلس لماذا؟

في الأندلس، ليست لدى أشجار الزيتون الصغيرة "جذور كبيرة بشكل كافٍ لسحب المياه" من الأعماق. وتتوقع دي غاسكيه تسجيل "خسائر" مع تأثير على الإنتاج لمدة "عامين أو ثلاثة أعوام".

في هذا السياق، خفضت الحكومة الإسبانية ضريبة القيمة المضافة على زيت الزيتون من 10% إلى 5% في نهاية عام 2022، كجزء من خطة مكافحة التضخم. ودعم المزارعين المتضررين من الجفاف، خفضت أيضاً ضريبة الدخل للقطاع بنسبة 25%.

لكنّ هذه التدابير اعتُبرت غير كافية في مواجهة الأزمة التي تلوح في الأفق. ويقول رافائيل سانشيز دي بويرتا إن "خفض ضرائب الدخل للأشخاص الذين لن يحصلوا على أي شيء تقريباً، لن يساعد كثيراً"، داعياً إلى خطة أوسع لمواجهة "الجفاف الذي سيستمر".

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة