سياسة

"إسرائيل جديدة" في أفريقيا.. أوروبا ترمي لاجئيها في رواندا

نشر

.

Muhammad Shehada

تخيلوا معنا هذا السيناريو: إبراهيم مهندس سوداني مقيم في الخرطوم. وسط اندلاع المعارك المحتدمة، حاول النجاة بحياته وفر باتجاه ليبيا في الشمال الغربي. لكن الوضع الأمني والإنساني لم يختلف كثيراً عن الخرطوم ولم يتمكن من الحصول على تصريح إقامة لاجئ، ما دفعه لركوب "قوارب الموت" لإيطاليا. وهناك اصطدم بحكومة يمينية متطرفة تسعى لطرد اللاجئين بشتى الوسائل وأوضاع صعبة للغاية للقادمين الجدد، فاستمر نحو الشمال لفرنسا المتشددة جداً في قبول طلبات اللجوء.

إبراهيم لديه أقارب في بريطانيا ويتقن اللغة الإنكليزية بمهارة، لذلك ركب في قارب مطاطي صغير ومزدحم للمرة الثانية وأبحر في بحر المانش من كاليه شمال فرنسا باتجاه إنكلترا ونجى من الغرق بأعجوبة. بعد الوصول لشاطئ دوفر توجه للسلطات البريطانية وتقدم بطلب الحماية الدولية.

وبدلاً من مساعدته، اعتقلته السلطات كمجرم وزجت به في سجن الترحيلات "للمهاجرين غير الشرعيين" ووضعته على طائرة متجهة لرواندا، حيث وضع في معسكر مغلق لحين إصدار قرار بخصوص طلبه للجوء. وبعد طول انتظار، حصل على إقامة لكن في رواندا، وأصبح ممنوعاً من العودة للمملكة المتحدة.

ما تقرؤونه الآن يوشك أن يصبح النظام الجديد للجوء في بريطانيا، بينما تترقب العديد من دول الاتحاد الأوروبي إذا كانت ستنجح الحكومة البريطانية ليحذو حذوها مباشرةً. فهل يشكل هذا النظام مستقبل اللجوء في أوروبا؟

ابنة لاجئ سابق تطرد اللاجئين

"أحب أن أرى الصفحة الأولى من صحيفة التلغراف وعليها صورة طائرة متجهة لرواندا. هذا حلمي وهاجسي" بابتسامة تملأ وجهها، هكذا عبرت وزيرة الداخلية البريطانية سويلا براڤيرمان عن خطة طرد طالبي اللجوء للبلد الأفريقي البعيد نحو 6 آلاف كيلو متر عن لندن.

"عديمة القلب" هكذا وصفت صحفية بريطانية الوزيرة، هندية الأصل، والتي قدم والدها كلاجئ من كينيا. وانهالت عليها الانتقادات بعدما التُقطت لها صورة وهي تضحك بشكل غير لائق من أمام مبنى احتجاز طالبي اللجوء قيد الإنشاء في رواندا.

في نهاية شهر أبريل الماضي، وافق مجلس العموم في برلمان المملكة المتحدة بالقراءة الثالثة والنهائية على مشروع ترحيل طالبي اللجوء لرواندا، والذي يلغي الحماية المؤقتة التي كانت تُمنح لضحايا العبودية الحديثة أو التهريب والاتجار بالبشر ريثما يتم دراسة طلبات لجوئهم. مشروع القانون الآن يُنتظر إقراره من قبل مجلس اللوردات ليصبح قانوناً نافذاً.

عازب أو وحيد؟ اذهب إلى المنفى

في شهر نيسان من عام 2022، وقعت الحكومتان البريطانية والرواندية على اتفاق "الشراكة في الهجرة والتعاون الاقتصادي" أو ما يعرف "بخطة اللجوء الرواندية" والتي تنص على استقبال مبدئي لنحو 200 طالب لجوء من بريطانيا وفحص طلباتهم في كيغالي وإعطاء من يستحق منهم الإقامة الدائمة في رواندا ومنعهم من العودة.

في المقابل، تقوم الحكومة البريطانية بدفع مبلغ 120 مليون جنيه إسترليني لـ"صندوق التحول والتكامل الاقتصادي" الرواندي بالإضافة لإعطاء حكومة رواندا مبلغ يتراوح بين 20 و30 ألف جنيه إسترليني عن كل طالب لجوء. وأول المرحلين سيكونون من فئة الرجال غير المتزوجين أو القادمين من دون زوجاتهم.

الخطة أثارت العديد من الاحتجاجات داخل وزارة الداخلية والبرلمان وعارضتها رئيسة الوزراء السابقة تريزا ماي مشككة في مدى عملية وقانونية ونجاعة الأمر.

في شهر حزيران الماضي فشلت حكومة بوريس جونسون في إرسال أول طائرة ترحيل لرواندا وعلى متنها ثمانية ركاب بعد أن عرقلتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لحين الفصل قضائياً في الموضوع. لكن مشروع القانون المرتقب سيقوض قدرة المحكمة الأوروبية على تعطيل إجراءات حكومة المملكة المتحدة لترحيل طالبي اللجوء.

"صفر لجوء" في الدنمارك

"عاجلاً أم آجلاً، أعتقد أنه من الواضح تمامًا أن اللجوء يجب أن يتم بطريقة مختلفة عن إغراء الناس بخوض رحلات محفوفة بالمخاطر وقاتلة للوصول للمنطقة الأوروبية" بهذا أعرب رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون تأييده خطة الحكومة الدنمارك لتقليد برنامج طرد اللاجئين لرواندا. وتتبنى الدنمارك سياسة "الصفر لجوء" للتضييق على اللاجئين أصحاب الإقامات والتشديد لأقصى حد ممكن على طالبي اللجوء الجدد.

"هناك مشاكل مع حقوق الإنسان في الدنمارك، وهي نفس المشاكل الحقوقية التي نناقشها هنا في رواندا"، بابتسامة ساخرة، هكذا عبر وزير الخارجية الرواندي فنسنت بيروتا عن رأيه في سياسات الحكومة الدنماركية في مؤتمر صحفي من وزير الهجرة والاندماج الدنماركي كور ديبفاد والذي زار كيغالي لمعاينة معسكرات احتجاز طالبي اللجوء قيد الإنشاء.

الدنمارك قالت في بداية العام بأنها ستحاول الحصول على تأييد دول أوروبية أخرى قبل القيام بإرسال طالبي اللجوء لرواندا. لذلك يعد تأييد رئيس وزير السويد دفعة للأمام تجاه هذه الخطة.

وقد تنضم ألمانيا قريباً لهذا التيار. حيث أعربت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيسر أن حكومتها تبحث إمكانية معالجة طلبات اللجوء في دول خارج الاتحاد الأوروبي.

لماذا وافقت رواندا على ذلك؟

"لقد جرب العديد من الروانديين ما يعنيه أن يتم تهجيرهم، وقد شكَّل هذا الطريقة التي نتعامل بها مع الهجرة واللجوء. توفر رواندا بالفعل ملاذًا لنحو 130 ألف لاجئ من دول متعددة بما في ذلك جيران مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي بالإضافة إلى أفغانستان والمهاجرين الذين تم إجلاؤهم من ليبيا" هكذا برر وزير الخارجية بيروتا موقف بلاده.

أما الرئيس الرواندي بول كاغامي فيرفض المزاعم القائلة بأن "المملكة المتحدة أعطت رواندا أموالًا للتخلص من الناس هنا"، مشيراً بأن رواندا " لا تشارك في بيع وشراء الأشخاص مع المملكة المتحدة أو أي شخص آخر. إنها مجرد مشكلة تحتاج إلى حل ورواندا مستعدة للمساعدة ". وادعى بأن سبب مجيء الدول الغربية لعقد مثل تلك الاتفاقات مع حكومته هو نجاح رواندا في كيفية تعاملها مع أزمة اللاجئين القادمين من ليبيا.

لكن أحزاب المعارضة انتقدت الخطة بشدة وجادلوا بأن من باب أولى أن تركز الحكومة على المشاكل المحلية بدلاً من "حل أعباء الدول الغنية". بينما قالت رئيسة المعارضة فيكتوار إنجابير أوموهوزا أنه "إذا لم يكن لدى شعبنا ما يكفي من الطعام، وإذا لم يكن لدى أطفالنا أو أطفال رواندا إمكانية الذهاب إلى المدرسة بسبب الفقر، فكيف ستوفر الحكومة الرواندية التعليم لأطفال اللاجئين؟".

حجج بريطانيا

الردع هو السبب الرئيسي لحكومة حزب المحافظين البريطاني الذي دفع باتجاه خطة رواندا ظناً منهم بأن ذلك سيخيف طالبي اللجوء ويصدهم عن محاولة عبور بحر المانش نحو إنجلترا. وأضافت وزيرة الداخلية السابقة بريتي باتيل بأن الخطة تهدف أيضاً لإيقاف عمليات التهريب والاتجار بالبشر، وادعت بأن هذه المنظومة الجديدة ستنقذ حياة طالبي اللجوء من خطر الغرق في البحر وسيوفر طرق آمنة لطلب اللجوء.

لكن منظمات مثل أطباء بلا حدود فندت هذه الادعاءات جميعاً، حيث أكدوا بأن الخطة لن تردع طالبي اللجوء، بل تضطرهم لسلك طرق أكثر خطورة والتخفي عن الأنظار ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر والاستغلال. كما أن الخطة لا توّفر أي مسار آمن أو بديل لطرق الهجرة عبر البحر الخطرة، فطالبو اللجوء لا يستطيعون التوجه لرواندا مباشرة، وإنما عليهم أولاً الوصول لبريطانيا عبر البحر، ومن ثم طردهم لكيغالي.

تدعي الحكومة البريطانية بأن رواندا بلد آمن لاستضافة اللاجئين، لكن مستشار وزارة الخارجية البريطانية حذر في مذكرة رسمية بأن الحكومة الرواندية تقوم بتعذيب المعارضين وتستخدم أساليب الحبس التعسفي والقتل لإنفاذ سلطتها. وحاولت حكومة جونسون إبقاء هذه المذكرة طي الكتمان إلى أن أفرجت محكمة عن محتواها. الجيش الرواندي أيضاً متهم بارتكاب مذابح دموية وأعمال عنف في جارتها جمهورية الكونغو الديمقراطية.

ترى مجموعات حقوقية بأن سياسة الترحيل لرواندا تميزية وهدفها هم طالبو اللجوء من الدول الفقيرة من ذوي البشرة غير البيضاء. حيث يشترط مشروع القانون الجاري مناقشته في مجلس اللوردات أن يكون طالب اللجوء قد وصل لبريطانيا "بطريقة غير قانونية" ليتم طرده لرواندا (أي عبر البحر أو الجسر مع فرنسا دون تأشيرة أو إذن دخول).

هذه هي الطريقة الوحيدة للغالبية العظمى من طالبي اللجوء من دول العالم الثالث الذين لا يستطيعون الحصول على فيزا المملكة المتحدة، في حين أن طالبي اللجوء الأوكرانيين بإمكانهم السفر لبريطانية وطلب اللجوء بكل سهولة ويسر إما بالسفر مباشرة أو بطلب اللجوء وهم في بلادهم.

نقل الأعباء إلى الفقراء

مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين "عارض بشدة" خطة رواندا واعتبرها أنها غير قانونية وعنصرية وغير عملية، فهي تنتهك التزامات بريطانيا بموجب ميثاق الأمم المتحدة للاجئين والقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو الرأي الذي تؤيده عشرات المؤسسات وخبراء القانون والسياسيون.

مساعدة المفوض السامي جيليان تريجز أضافت بأن المملكة المتحدة "تحاول نقل عبئها إلى دولة نامية".

اعتبرت العديد من المؤسسات الحقوقية خطة رواندا شكلاً من أشكال الاستعمار الحديث والعنف الاستعماري، بحيث مازالت تنظر الدول الغربية الكبرى لباقي العالم على أنه تابع لها أو خاضع لإرادتها، دون اعتبار لمبادئ السيادة والاستقلال، وأن ما تفعله بريطانيا يمثل محاولة لإغلاق حدودها لتأمين وحماية "غنائم إمبراطوريتها".

لكن المحكمة البريطانية العليا رأت بأن الخطة ليست بالضرورة منافيةً للقانون، ولكنها أمرت بوجوب فحص كل حال بشكل فردي.

ما مدى فاعلية الخطة؟

بريطانيا ليست الدولة الأولى التي تحاول تنفيذ هذه الفكرة. سبقتها الحكومة الإسرائيلية بعقد صفقة مشابهة لترحيل طالبي اللجوء الأفارقة لرواندا سراً. حيث كانت تقوم في عام 2015 بتخيير طالبي اللجوء بين الطرد للبلدان التي أتوا منها أو الترحيل لرواندا بالإضافة لمبلغ 3500 دولار لكل فرد. واتفقت مع حكومة كيغالي على استقبال نحو 20 ألف لاجئ. لكن أغلب من نقلوا إلى رواندا انتهى بهم الحال بمعاودة الكرّة ومحاولة الوصول لإسرائيل مرة أخرى، أو التوجه نحو أوروبا، ما كان معناه فشل الخطة. وفي عام 2018 أمرت المحكمة الإسرائيلية العليا بإيقاف ترحيل اللاجئين لرواندا.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة