سياسة

نصف مليون مستوطن في الضفة.. هل ما زال حل الدولتين ممكنا؟

نشر

.

Muhammad Shehada

الأسبوع الماضي، أعلنت الصحافة الإسرائيلية ارتفاع عدد المستوطنين في الضفة الغربية لنصف مليون عام 2023 من 380 ألف مستوطن عام 2015. يضاف إلى ذلك نحو 375 ألف مستوطن في القدس الشرقية (إحصائية عام 2015) هدفهم المعلن هو ضمان أن تبقى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 في يد إسرائيل إلى الأبد. فهل يعني ذلك نهاية حل الدولتين؟ أن هل ما زال بالإمكان الانسحاب من الأراضي المحتلة؟

للموضوع جانبان، الأول هو أن وصول المستوطنين لهذا العدد وانتشارهم في جميع أرجاء الضفة الغربية يعني ابتلاع المستوطنات الإسرائيلية للأراضي المحتلة وتفتيت المدن الفلسطينية وفصلها عن بعضها، والاستلاء على نقاط استراتيجية تمكن من السيطرة على الموارد والثروات الطبيعية والمائية. حيث توجد حالياً نحو 132 مستوطنة إسرائيلية رسمية في الضفة و12 مستوطنة في القدس الشرقية في مخالفة واضحة للقانون الدولي فيما يتعلق بتحريم ضم الأراضي بالقوة وتهجير ونقل السكان الإجباري، بالإضافة لنحو 100 بؤرة استيطانية تعتبر غير قانونية حتى من وجهة نظر إسرائيلية لكن السلطات تغض النظر عنها وتقدم لها الدعم والحماية.

ارتفاع أعداد المستوطنين يعني زيادة معدل الهجمات الإرهابية والعنيفة التي يتعرض لها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، بما فيها الهجوم شبه اليومي على الأراضي الزراعية من قبل المستوطنين الذين يقومون بمنع المزارعين من الوصول لأراضيهم واتلاف وسرقة المحاصيل الزراعية وتدمير أشجار الزيتون وقتل وسرقة المواشي.

كما يعني ذلك الرقم زيادة الحواجز الأمنية الإسرائيلية وقوات الجيش الموكلين بحماية المستوطنين لكنهم عادةً ما يقفون ساكنين عند مهاجمة المستوطنين للفلسطينيين.

على الجانب الآخر، يعتبر رقم النصف مليون مخيباً لآمال الإسرائيليين، حيث يقلق تباطؤ نمو عدد المستوطنين في الضفة الحكومة الإسرائيلية ومجالس المستوطنات.

رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت كان قد وعد في عام 2018 بمضاعفة عدد المستوطنين في الضفة ليصلوا لمليون مستوطن في المستقبل القريب، لكن الرقم يبدو صعب المنال في ظل انخفاض نسبة النمو السكاني في المستوطنات لتصل 2,3% عام 2020 بعد أن كانت النسبة 5,3% عام 2009. ما دفع مجلس مستوطنة بيت إيل للقول "نحن في معركة وجودية".

النقص في معدل نمو المستوطنين يأتي على الرغم من منح الدولة سلسلة من التسهيلات والدعم والحوافز لأي إسرائيلي يرغب في الانتقال للأراضي المحتلة، كالتخفيضات الضريبية للشركات والمصانع وتسهيلات تصدير المنتجات والحماية الدائمة من جنود الجيش ومجانية الأراضي المنهوبة من الفلسطينيين ورخص أسعار العقارات السكنية.

حل الدولتين

"خرائط المستوطنات الإسرائيلية التي صدمت باراك أوباما" هو عنوان تقرير نشرته صحيفة نيويوركر الأميركية عام 2018 عن كيف قادت خريطة واحدة عن الوضع في الأراضي المحتلة الرئيس الأميركي لعدم استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن والسماح لقرار أممي بالمرور بموافقة جميع الدول الأعضاء ينتقد المستوطنات الإسرائيلي بشدة ويعتبرها "مخالفة صارخة للقانون الدولي" ولا يوجد لها أي مبرر قانوني، ويحمل القرار 2334 إسرائيل مسؤولياتها كالقوة المحتلة تحت اتفاقية جينيف الرابعة.

الخريطة كان قد عثر عليها فرانك لوينشتاين، مبعوث إدارة أوباما الخاص للمفاوضات، في كتاب حكومي موجز وسارع لتقديمها لوزير الخارجية جون كيري الذي عرضها بدوره على الرئيس الأميركي على طاولة القهوة. بينت الخريطة تلك كيف أن ما يزيد عن 60% من الضفة الغربية هي أراضي محظورة على الفلسطينيين ولا يمكنهم الوصول إليها أو البناء فيها، ووضحت كيف أن المستوطنات الإسرائيلية والحواجز ونقاط الجيش شتت التواجد الفلسطيني بما يشبه بفتات الخبز. أصيب أوباما "بالصدمة" بحسب تعبر مستشاره بن رودز عندما رأي كيف قطع الإسرائيليون المراكز السكانية الفلسطينية عن بعضها البعض "بشكل ممنهج".

اصطحب جون كيري تلك الخريطة معه للقائه التالي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع بعض الخرائط الأخرى، وعرضها عليه بهدف أن يريه أن إدارة أوباما تتفهم مدى التهديد الذي وصل إليه حل الدولتين. لكن عباس أصيب بالإحباط بدلاً من الاطمئنان، فقد أقنعته تلك الخرائط بأن الحكومة الأميركية تؤمن بأن "فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة هي أقرب إلى الصفر".

كان عدد المستوطنين حينها في الضفة الغربية أقل من 380 ألف مستوطن، لكن عددهم اليوم ازداد بنسبة 32% خلال السنوات السبع الماضية. ومع عودة حكومة بنيامين نتنياهو للحكم، أقرت حكومته الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل أكبر توسيع استيطاني منذ عقود عبر شرعنة تسع بؤر استيطانية وبناء عشرة آلاف وحدة استيطانية جديدة.

هل الحل ما زال ممكنا؟

ممكن مادياً ولكن مستحيل سياسياً، هذا باختصار كان استنتاج وزيرة الخارجية الإسرائيلية في عام 2009 تسيبي ليفني بعد 36 جلسة مفاوضات طويلة ومفصلة مع الجانب الفلسطيني حول ترسيم حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية في عملية السلام وتفكيك المستوطنات. حيث أوضحت بأنه لا يمكن لأي حكومة إسرائيلية البقاء في الحكم إذما قامت بطرد جزء من المستوطنين من الضفة.

طاقم المفاوضات الفلسطيني كان قد عرض على الإسرائيليين إبقاء نحو 2% من مساحة الضفة الغربية والتي تضم أكثر من 60% من المستوطنين والحصول بالمقابل على أراضي بنفس القيمة والمثل وأن تكون ملاصقة للضفة. في المقابل، كان العرض الإسرائيلي حينها هو أن تضم إسرائيل نحو 5,8-6,4% من مساحة الضفة الغربية بما يسمح بعدم إخلاء نحو أكثر من 80% من المستوطنين، في المقابل، يحصل الفلسطينيون على أراضي زراعية غير مسكونة بجوار قطاع غزة وجنوب غرب الضفة.

عرض أولمرت كان يعني تقسيم الضفة لثلاثة أقسام جغرافياً وقطعها عن القدس الشرقية بعد ضم التجمعات الاستيطانية الكبرى كأرئيل في الشمال ومعالي أدوميم في الوسط، بالإضافة لإسقاط حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لأراضيهم داخل الخط الأخضر. اشتهر عرض أولمرت في حينها باسم "خريطة المنديل الورقي" حيث عرض على عباس خرائط الدولة الفلسطينية المستقبلية ثم خبأها ورفض إعطائه نسخة عنها. وانتهت المفاوضات تلك بعد حبس أولمرت بتهم الفساد.

السيناريو الثاني لرسم حدود الضفة برز في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2020 وهو الأكثر تعبيراً عن الموقف الإسرائيلي العام حالياً. حيث نصت صفقة ترامب على أن تبقي إسرائيل على جميع مستوطناتها في الضفة بالإضافة لوادي الأردن بأكمله وكامل القدس بواقع 30% من مساحة الضفة المحتلة. في المقابل، يعطى الفلسطينيون قطعتي أرض في صحراء النقب متصلتان بغزة عبر ممر ضيق لبناء منطقة صناعية ومنطقة زراعية وسكانية، كما يتم تجريد نحو 350 ألف فلسطيني ممن يسكنون بداخل الخط الأخضر من جنسيتهم الإسرائيلية وضمهم للضفة الغربية.

هذه الخريطة تعني أن الدولة الفلسطينية المستقبلية ستكون عبارة عن أرخبيل من الجزر المفتتة المنعزلة عن بعضها، يصل بينها أنفاق تحت الأرض أو جسور، وتكون الأراضي الفلسطينية معزولةً عن الأردن ومحاطة بالجيش الإسرائيلي من جميع الجوانب، ومنفذها الوحيد للعالم هو معبر الكرامة الحدودي صغير في الشرق ومعبر رفح في الجنوب الغربي في غزة.

الخلاصة هي أن تركز المستوطنين في تجمعات كبرى معينة، بعضها قريب من حدود الخط الأخضر، يعني إمكانية التوصل لحل على الصعيد المادي يقضي بالإبقاء على الأكثرية من المستوطنين إما بنسبة 60 أو 80% وسحب من يعيشون في عمق الضفة لإسرائيل أو منحهم الجنسية الفلسطينية. لكن في نفس الوقت، هذا الحل يبدو مستحيلاً على الصعيد السياسي، ففي الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، لم يجرؤ أي حزب إسرائيلي صهيوني على وضع حل الدولتين ضمن حملته الانتخابية، بما في ذلك حزب ميريتس من أقصى اليسار. ومع تقدم الوقت، يصبح الحل أبعد على الصعيدين المادي والسياسي، حيث يسعى اليمين الإسرائيلي الحاكم بكل قوته لزيادة عدد المستوطنين في عمق الضفة وبناء وتوسيع المستوطنات في مناطق استراتيجية كبؤرة أفيتار في قلب محافظة نابلس والتي تقسم المحافظة لثلاثة أجزاء، منطقة E1 التي تعزل القدس عن الضفة. وهدفهم المعلن هو تأكيد استحالة إقامة دولة فلسطينية مستقبلاً تكون فيها مدن الضفة متصلة جغرافياً مع بعضها البعض.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة