سياسة

ثروات تحت الجليد.. التغير المناخي يفتح شهية الدول الكبرى على غرينلاند

نشر

.

Muhammad Shehada

كانت رئيسة الوزراء الدنماركية الشابة مته فريدريكسن في طريقها لجزيرة غرينلاند الخاضعة للتاج الدنماركي في صيف عام 2019 عندما وصلها خبر عجيب. الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض شراء الجزيرة ذات الحكم الذاتي من الدنمارك وضمها للولايات المتحدة. ردت حينها بتهكم أن العرض يعتبر "نقاش سخيف"، وأضافت من العاصمة نووك "غرينلاند ليست دنماركية، غرينلاند للغرينلاديين". أثار تصريحها ذلك غضب ترمب الذي اعتبر ردها "بذيئاً" وألغى زيارته المخطط لها في حينه للدنمارك في شهر سبتمبر.

شبكات التواصل الاجتماعي تناولت الموضوع وكأنه نكتة وموقف مضحك في حينها، لكن لم يكن ترمب صاحب فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك. فقد ناقشت الإدارة الأميركية ذلك الأمر أكثر من مرة منذ عام 1867 وعرضت على الدنمارك رسمياً شراء الجزيرة عام 1946 بمبلغ 100 مليون دولار.

الولايات المتحدة ليست الطرف الوحيد المتصارع على القطب الشمالي. فالسنين الأخيرة شهدت تدافعاً بين الدول العظمى الأخرى كروسيا والصين لتوسيع النفوذ في المنطقة المتجمدة لعدة أسباب استراتيجية واقتصادية ربحية. ويزيد التغير المناخي من تلك المطامع بشكل دراماتيكي.

الأسباب وعلاقة الاحتباس الحراري

لأول مرة في عام 2019، وضعت الدنمارك غرينلاند على رأس جدول أعمالها للأمن القومي قبل المواضيع الحساسة التقليدية كالإرهاب والجرائم السيبرانية. فعرض الرئيس ترمب لشراء جزيرة غرينلاند دفع الحكومة الدنماركية للتيقظ وتغير أولويات خدمة الاستخبارات الدفاعية.

على الرغم من حصول غرينلاند على الحكم الذاتي في العام 1979 بعد أن كانت مستعمرة دنماركية لقرنين تقريباً، إلا أن حكومة الدنمارك تحتفظ بحق التحكم في السياسات الخارجية والدفاعية للجزيرة وعملتها النقدية وتجنس مواطنيها بالجنسية الدنماركية.

الجزيرة القطبية المتجمدة قليلة السكان وهشة الاقتصاد، حيث يسكنها نحو 56 ألف مواطن أغلبهم من شعوب الإنويت ويشكل صيد الأسماك عصب الاقتصاد بواقع 90% من الصادرات. بينما يغطي نحو 80٪ من غرينلاند طبقة جليدية يصل سمكها إلى 3 كيلومترات. لكن الجزيرة في نفس الوقت غنية بالمعادن كاليورانيوم والنيكل والبلاتين والتنغستن والتيتانيوم والنحاس والذهب، بالإضافة للياقوت الغرينلاندي الذي يعد الأقدم في العالم والألماس.

هذه الثروات الطبيعية بالإضافة لموقع الجزيرة الاستراتيجي في أقصى الشمال بين أميركا وروسيا وأوروبا جعلا منها مطمعاً للدول الكبرى، خاصة الصين التي يقلق تنامي وجودها في غرينلاند عبر المشاريع الاقتصادية الحكومة الأميركية. وما يزيد من التنافس على منطقة القطب الشمالي انحسار الجليد وتآكله بفعل الاحتباس الحراري والذي قد يساعد على الكشف عن النفط والموارد المعدنية المخبئة تحت طبقات الجليد السميكة.

الأمر الآخر هو أن الاختفاء التدريجي للجليد البحري في المحيط المتجمد الشمالي بفعل التغير المناخي يعمل على فتح طرق جديدة للنقل والملاحة البحرية تختصر الكثير من الوقت للتنقل بحراً بين أميركا وأوروبا وآسيا.

ما دور أميركا في غرينلاند؟

عام 1941، أبرم سفير الدنمارك في الولايات المتحدة، هنريك كوفمانز، اتفاقية تمنح الحكومة الأميركية حق إنشاء قواعد عسكرية في غرينلاند للدفاع عن المستوطنات الدنماركية.

لكن الدنمارك سعت بعد انتهاء الحرب لإخراج أميركا من الجزيرة القطبية إلا أن انضمام التاج الدنماركي لحلف الناتو عام 1949 رسخ الوجود الأميركي في المنطقة. وفي عام 1951 وقع البلدان اتفاقية تعطي الولايات المتحدة الحق الحصري في إدارة شؤون الدفاع في غرينلاند ما أعطى واشنطن سيادة فعلية وحرية شبه مطلقة في اتخاذ القرارات في الجزيرة خلال سنوات الحرب الباردة.

لأميركا قاعدة جوية تدعى "ثول" في الشمال الغرينلاندي قريبة من القطب الشمالي توفر المراقبة الفضائية وتضم محطة رادار كجزء من نظام إنذار مبكر للصواريخ الباليستية. وخلال الحرب الباردة، أنشأت الولايات المتحدة منشأة بحثية تدعى كامب سينشري عام 1959 كانت تعمل بواسطة مفاعل نووي وتتألف من 21 نفقًا في عمق الثلج القطبي بطول 3 كيلومترات. وخططت الحكومة الأميركية لاستعمال المعسكر في مشروع Iceworm الهادف لتثبيت شبكة واسعة من الصواريخ النووية.

لكن أميركا تخلت عن المعسكر عام 1967، تاركةً ورائها آلاف الجالونات من وقود الديزل وأوكوام من المركبات العضوية السامة والمبردات المشعة التي دفنت في الجليد مع المخيم. وتتزايد المخاوف حالياً في غرينلاند حول أثر التغير المناخي وذوبان الجليد في الكشف عن تلك المواد السامة في الأعماق.

ما علاقة روسيا؟

نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا و20% من الصادرات الروسية مصدرهم هو القطب الشمالي. لذلك، أصدرت الحكومة الروسية وثيقة سياسة جديدة عام 2020 لتقوية مصالحها وأهدافها في القطب الشمالي على مدى الأعوام الخمسة عشر القادمة بشكل يضمن سيادتها وسلامة أراضيها وتطوير طريق البحر الشمالي للملاحة وزيادة النمو الاقتصادي.

زادت روسيا من مغامراتها العسكرية في القطب الشمالي في السنوات الأخيرة من خلال إنشاء قواعد جديدة في سيبيريا، كقاعدة كلوفر الشمالية العسكرية في جزيرة كوتيلني – التي بنيت عام 2013 لإيواء ما يصل إلى 250 جنديًا بإمدادات كافية لمدة عام.

عام 2016، انتقل الأسطول الشمالي الروسي للقاعدة، بينما أعلنت روسيا العام التالي عن قاعدة عسكرية ثلاثية الأقسام في القطب الشمالي في جزيرة ألكسندرا لاند باعتبارها أقصى نقطة عسكرية في أقصى الشمال. وفي عام 2019، حذر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو من أن روسيا تتصرف بعدوانية في القطب الشمالي، ونتيجة لذلك، أعلن بومبيو في العام التالي أن الولايات المتحدة ستوسع دورها في القطب الشمالي لردع روسيا والصين.

ماذا عن الصين؟

لا يوجد للحكومة الصينية أي سيادة إقليمية في القطب الشمالي، لكن ذلك لم يمنعها من أن تصنف نفسها كدولة "قريبة من القطب" وإظهار اهتمام متزايد بالمنطقة المتجمدة عبر انضمامها لمجلس القطب الشمالي كعضو مراقب عام 2013.

حاولت بكين تبرير اهتمامها بالقطب الشمالي في وثيقة أطلقتها الحكومة عام 2018 أشارت فيها لتاريخها في القيام بالأبحاث العلمية في القطب وسعيها لاغتنام "الفرصة التاريخية" في المنطقة لمختلف الأنشطة التجارية كالتعدين والشحن.

وتحاول الصين فعلياً خلق موطئ قدم لها في غرينلاند عبر مشاركتها في مشاريع التعدين في نارساك ومشاريع البناء الأخرى وسط قلق الولايات المتحدة من الأمر، بينما ترى بكين مصلحة استراتيجية في تأسيس "طريق الحرير في القطب الشمالي" كجزء من مبادرة "الحزام والطريق" الصادرة عام 2017.

التواجد الصيني في المنطقة خلق نوعاً من التوتر الأمني. ففي عام 2017، أبحرت كاسحة جليد صينية أبحرت في المياه الإقليمية لغرينلاند دون سابق إنذار وفقاً لوكالة رويترز. وكانت تلك الحادثة مجرد واحدة من عدد متزايد من الوافدين غير المتوقعين في مياه القطب الشمالي، وهو ما يمثل إحراجا واستفزازا للحكومة الدنماركية وحلفائها.

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة