سياسة

واشنطن تضغط على إسرائيل من باب تمويل الأبحاث.. هكذا بدأت القصة

نشر

.

Muhammad Shehada

"لن نقف مكتوفي الأيدي بينما نشاهد عنف المستوطنين" بهذه الكلمات عبر السفير الأميركي لإسرائيل توم نيدز يوم الخميس تجاه سلسلة الهجمات العنيفة التي تشهدها الضفة الغربية المحتلة على أيدي المستوطنين الإسرائيليين. و الأحد، كشفت صحيفة أكسيوس أن إدارة الرئيس جو بايدن أبلغت السلطات الإسرائيلية قرارها بمنع استخدام أي تمويل أميركي حكومي في أي مشاريع بحث وتطوير أو تعاون علمي تُجرى في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وسط امتعاض الحكومة الإسرائيلية وأنصارها في أميركا. فهل يشكل ذلك القرار خطوة لمساءلة أكثر حكومة يمينية متطرفة في تاريخ إسرائيل؟

تصاعد التوتر بين الحليفين

منذ تولي بايدن الرئاسة في عام 2021، تجنب البيت الأبيض عكس سلسلة من القرارات التي اتخذها الرئيس السابق دونالد ترامب في حياد كبير عن السياسة الأميركية الرسمية منذ عام 1967. أبرز تلك القرارات كان الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل، والتصريح بأن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة شرعية، ووضع ملصقات "صنع في إسرائيل" على منتوجات المستوطنات، وإتاحة التعاون العلمي والبحثي مع المستوطنات.

لكن عودة بنيامين نتنياهو لمقاليد الحكم مجدداً في شهر ديسمبر الماضي على ظهر حكومة متشددة أدى إلى تصاعد التوترات بين إدارة بايدن والحكومة الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالتغييرات القضائية المثيرة للجدل التي يعتزم تحالف اليمين تمريرها. ما فاقم من هذه التوترات هو قيام حكومة نتنياهو بالإعلان عن أكبر حزم توسع استيطاني منذ عقود في بضعة أشهر وشرعنة ٩ بؤر استيطانية تعد غير قانونية حتى تحت القانون الإسرائيلي نفسه، بالإضافة لتصعيد أعمال العنف والهدم في الضفة حيث قتل الجيش الإسرائيلي ما يزيد عن 160 فلسطيني منذ بداية العام.

ونشبت عاصفة دبلوماسية في شهر مايو الماضي بين الجانبين بسبب إبطال إسرائيل قانون فك الارتباط لعام 2005 والسماح بإعادة بناء مستوطنة حوميش بين نابلس وجنين في نقض لتعهدات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للولايات المتحدة بإخلاء تلك المستوطنة. على إثر هذه التوترات، لم يقم الرئيس بايدن بدعوة نتنياهو للبيت الأبيض حتى اللحظة، لكنه فضل إبقاء تلك الخلافات بعيداً عن السطح قدر الإمكان والابتعاد عن الاصطدام المباشر مع حليف أميركا الرئيسي في المنطقة. إلا أن تصاعد الفوضى في الأراضي الفلسطينية قد يدفع الإدارة الأميركية لمراجعة أسلوبها.

جامعة أرئيل.. هنا بدأت القصة

تسعى إسرائيل لإضفاء صفة الشرعية على مستوطناتها في الضفة والقدس الشرقية على الرغم من تشكيل تلك المستوطنات انتهاكاً للقانون الدولي وحاجزاً في وجه التوصل لحل الدولتين. الحكومة الإسرائيلية قامت ببناء جامعات ومعاهد بحثية في الأراضي المحتلة لجعلها جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل وإضعاف أي احتمالية لإخلاء تلك المستوطنات في المستقبل. أكبر تلك الجامعات هي مركز جامعة أريئل في السامرة المقامة في مستوطنة بنفس الاسم في قلب الضفة.

وزارة الخارجية الأميركية أصدرت هذا القرار بعد أن تقدم باحث من جامعة آرئيل بطلب تمويل من الصندوق المشترك للبحث العلمي، والذي ساهمت الولايات المتحدة فيه بمبلغ 1,5 مليار دولار للجامعات الإسرائيلية منذ إنشائه.

عكس سياسة ترامب تجاه دعم المستوطنات في هذا التوقيت يعد خطوة مواجهة رمزية رأى فيها بعض المراقبين تغيراً إيجابياً. ففي الأسبوع الماضي، شن مئات المستوطنون عشرات الهجمات على نحو 19 قرية فلسطينية من ضمنهم قرية ترمسعيا التي يقطنها فلسطينيون حاملون للجنسية الأميركية.

اعتداءات المستوطنين "إرهاب قومي"

الجيش الإسرائيلي أعلن بأن تلك الهجمات تشكل "إرهابا قوميا" بعد أن قام المستوطنون بإتلاف واحراق عشرات المنازل والمحال التجارية والمركبات وإصابة عشرات الفلسطينيين المدنيين وقطع التيار الكهربائي عن عدة قرى، وشن هجمات بقوة السلاح.

لكن عدة وزراء من الحكومة الإسرائيلية دافعوا عن المستوطنين وانتقدوا الجيش عقب هذا التصريح كوزير الأمن والشرطة إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلإيل سموتريش، حيث اعتبرا تصريحات الجيش "عنفاً تمييزياً ضد مواطنين إسرائيليين" بينما شجع بن غفير المستوطنين على التوجه بسرعة لإقامة بؤر استيطانية جديدة فوق تلال الضفة المحتلة.

بالإضافة لذلك، شكك نشطاء إسرائيليين في صدق نوايا الجيش بإيقاف تلك الهجمات، كحجاي إلعاد مدير منظمة بتسليم الحقوقية والذي قال إن الجيش الإسرائيلي عادة ما يعمل على توفير الحصانة والحماية للمستوطنين والمشاركة معهم أحياناً في بعض الهجمات.

غضب الحلفاء

وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين سارع للقول في مؤتمر صحفي: "أنا أعترض على هذا القرار وأعتقد أنه خطأ". بينما هاجم السناتور الأميركي الجمهوري تيد كروز البيت الأبيض، قائلاً: "جو بايدن ومسؤولو إدارة بايدن مهووسون بشكل مرضي بتقويض إسرائيل. منذ اليوم الأول لإدارتهم، شنوا حملات ضد حلفائنا الإسرائيليين، وهي حملات دقيقة، وكاملة من الحكومة، ويتم تنفيذها في الخفاء". وذهب كروز لتسمية هذه الخطوة "بالتمييز المعادة للسامية". أما التحالف اليهودي الجمهوري فأدان "سياسة إدارة بايدن الخارجية قصيرة النظر والتي وصلت لمستوى منخفض جديد" وساوى التحالف بين هذا القرار والمفاوضات الأميركية في ملف المشروع النووي الإيراني والتي تعارضها إسرائيل بشكل قاطع.

من سيتأثر؟

القرار بالحظر سيؤثر بشكل أساسي على ثلاث منظمات أميركية-إسرائيلية وهي المؤسسة ثنائية القومية للبحث والتطوير الصناعي (BIRD)، ومؤسسة العلوم الثنائية (BSF) ومؤسسة البحوث الزراعية والتنمية الثنائية (BARD). وقد تم تشكيل هذه المنظمات في العام 1970 لتسهيل التعاون البحثي بين أميركا وإسرائيل. ويذكر بأن الاتحاد الأوروبي لديه سياسة مماثلة قائمة على التمييز بين إسرائيل والمستوطنات التي يقصيها الاتحاد من اتفاقيات التعاون البحثي والعلمي.

رحبت بعض المؤسسات اليهودية الأميركية بالقرار كمنظمة Jstreet بوصفه ضرورياً "لدعم مستقبل إسرائيل الديمقراطي عبر التوصل لحل الدولتين والتمسك بالتمييز ما بين دولة إسرائيل والمستوطنات الخارجة عن الخط الأخضر". أما مؤسسة "السلام الآن" الأميركية-الإسرائيلية فترى بأن الطريق ما زال طويلاً امام إدارة بايدن حيث قالت في بيان "لقد طالبنا إدارة بايدن باستمرار على تصحيح العديد من السياسات الضارة الموروثة من إدارة ترامب فيما يتعلق بإسرائيل وفلسطين. يسعدنا أن الإدارة اتخذت هذه الخطوة المهمة. ومع ذلك، لا يزال مطلوبًا مزيد من الإجراءات".

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة