سياسة

صراع النفوذ المالي يشتد بين أميركا و بريكس

نشر

.

Camil Bou Rouphael

البنك الدولي ينتقل من التركيز على المناخ ودعم الدول النامية، إلى المزيد من التركيز على تمويل تلك الدول. يحدث هذا بسبب قمة البريكس. لكن هذا التحول ربما تستفيد منه دول عربية.

سارع البيت الأبيض، الثلاثاء ٢٢ أغسطس، قبيل انعقاد قمة "بريكس"، لإصدار بيان صحفي يعلن فيه أن الرئيس الأميركي، جو بايدن، سيدعو إلى إصلاحات في صندوق النقد الدولي من شأنها أن تخدم حاجات البلدان النامية بشكل أفضل خلال قمة مجموعة الـ٢٠ المقررة في نيودلهي الشهر المقبل.

في المقابل تسعى المجموعة إلى إنشاء مصرف تنمية خاص بها ليكون خيارا بديلا من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتقترح تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.

وتسجّل دول مجموعة "بريكس" التي تمثّل 40٪ من سكان العالم، مستويات نمو متفاوتة وتتشارك الرغبة في التوصل إلى نظام عالمي ترى أنه يعكس بشكل أفضل مصالحها ونفوذها المتزايد.

فأي إصلاحات يريدها بايدن في الصندوق؟ وماذا عن توقيت التصريح؟ وما هو مستوى مديونية الدول العربية؟

دول مجموعة "بريكس" التي تمثّل 40٪ من سكان العالم. مصدر الصورة: أ ب

أميركا تواجه تمويل الصين

بخلاف توقيت البيان الصادر قبل انعقاد قمة البريكس، يبرز أيضا تصريح مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، الذي قال إن على المؤسستين، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تقديم بديل أفضل لدعم التنمية وتمويل ما سمّاه "الإقراض القسري وغير المستدام" الذي تقدمه الصين من خلال مبادرة الحزام والطريق في بكين.

ومن المعروف أن المؤسستين الماليتين تسيطر الولايات المتحدة الأميركية على إدارتهما، وأضاف سوليفان للصحافيين: "سمعنا بوضوح أن البلدان تريد منا زيادة الدعم في مواجهة التحديات التي تواجهها".

بالتوازي، أعلن أن "بايدن سيركز جزءا كبيرا من طاقته على تحديث البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتأكد من أن مصارف التنمية تقدّم "حلولا عالية المستوى ومضمونة" للتحديات التي تواجهها البلدان النامية.

ضربة لـ"الحزام والطريق"

ووصف المؤسّستين بأنهما "فعالتان وشفافتان" خلافا لمبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها بكين، وهو برنامج عمره ١٠ سنوات يهدف إلى تعزيز مكانة الصين في التنمية العالمية، يشمل بنى تحتية كبيرة وقروضا صناعية للدول الفقيرة. وأقترح أن يكون البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بديلا إيجابيا لما هو أكثر غموضا أو أسلوبا قسريا" لتمويل التنمية الذي تقدمه الصين، حسب ما نقلت فرانس برس.

فالولايات المتحدة ستقدّم مقترحات في نيودلهي من شأنها زيادة قوة الإقراض للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بنحو 200 مليار دولار. لكنّ سوليفان شدد على أن الصين، كونها عضوا في مجموعة الـ٢٠ وشريكا رئيسيا في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لديها دور مركزي في تحديث المؤسستين.

وأضاف "لذلك، فإن دعمنا للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليس ضدّ الصين. نحن لا ننظر إلى مجموعة بريكس على أنها تتطور إلى نوع من المنافس الجيوسياسي للولايات المتحدة أو أيّ جهة أخرى. هذه مجموعة متنوعة للغاية من الدول"، حسب ما نقلت فرانس برس.

الولايات المتحدة ستقدّم مقترحات في نيودلهي من شأنها زيادة قوة الإقراض للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بنحو 200 مليار دولار. مصدر الصورة: أ ب

ماذا يريد بايدن من البنك الدولي؟

يُسافر بايدن إلى نيودلهي من 7 إلى 10 سبتمبر لحضور قمة قادة مجموعة العشرين. وسيناقش، مع شركاء مجموعة الـ٢٠، حسب ما جاء في بيان البيت الأبيض، التحول إلى الطاقة النظيفة، ومكافحة تغير المناخ، وكذلك تخفيف الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب الروسية- الأوكرانية، وزيادة قدرة بنوك التنمية المتعددة الأطراف، بما في ذلك البنك الدولي، من أجل مكافحة الفقر بشكل أفضل، بما في ذلك من خلال التصدي للتحديات العالمية.

وتعتبر الولايات المتحدة أن جهود إصلاح المنظمات المانحة المتعددة الطرف مثل البنك الدولي ومؤسسات إقليمية أخرى، قد تتيح الافراج عن 200 مليار دولار خلال العقد المقبل، حسب ما قالت في قمة مجموعة العشرين خلال يوليو.

شكلت إعادة هيكلة ديون الدول الأكثر فقرا محورا أساسيا في اهتمامات مجموعة العشرين التي تضمّ أكبر اقتصادات العالم، لكن المسؤولين أكدوا عدم تحقيق تقدم في هذا المجال.

شكلت إعادة هيكلة ديون الدول الأكثر فقرا محورا أساسيا في اهتمامات مجموعة العشرين. مصدر الصورة: أ ق ب

ولا تزال الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم والتي تعدّ من المانحين الأساسيين للعديد من الدول المتعثرة والمنخفضة الدخل في آسيا وأفريقيا، تمتنع عن قبول صيغة واحدة تنطبق على الجميع لإعادة هيكلة الديون. وأشارت وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، إلى أن أكثر من نصف الدول ذات الدخل المنخفض تعاني أو باتت على شفير أزمة مديونية، وهذه النسبة هي ضعف ما كانت عليه في العام 2015.

ورأت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا أن عملية إعادة هيكلة الديون "يجب أن تكون أسرع وأكثر فعالية" وكلفة التأخير في التوصل إلى اتفاق تثقل كاهل البلدان المقترضة وشعوبها "الأقل قدرة على تحمل هذا العبء".

وركزت مباحثات مجموعة العشرين أيضا على إصلاح بنوك التنمية المتعددة الطرف، وتنظيم العملات المشفرة، والحاجة إلى تسهيل وصول أفقر البلدان إلى التمويل الهادف إلى التخفيف من آثار التغير المناخي والتكيّف معه.

تغيير الهدف الأساسي تحت الضغط

كان ترك الرئيس السابق للبنك الدولي، ديفيد مالباس، بمثابة فرصة لبايدن لاختيار شخص يتبنى الهدف الجديد المتمثل في إصلاح عمل البنك، وفق موقع بوليتيكو. الهدف الأساسي لبايدن كان اختيار شخص يتبنى الهدف الجديد لإدارته والتركيز بشكل أكبر على المناخ والتحديات العالمية الأخرى.

بدأت بعض الحكومات مقاومة تقليد تعيين الولايات المتحدة الأميركية لرئيس البنك الدولي، خصوصا أنه، وفق بوليتيكو، من المتوقع أن تزداد أهمية هذا المنصب حيث تدفع الدول المساهمة الرئيسية البنك ليصبح رائدا في القضايا العالمية مثل الأوبئة المستقبلية والصراعات عبر الحدود، وكذلك تغير المناخ.

سيكون لزاما على رئيس البنك الدولي الجديد، أجاي بانغا، أن يعمل على إيجاد التوازن بين أجندة الولايات المتحدة، أكبر مساهم في البنك، ومخاوف البلدان الأخرى التي تخشى الابتعاد عن التفويضات الأساسية للمؤسسة المتمثلة في مكافحة الفقر وتمويل مشاريع التنمية الاقتصادية داخل الحدود الوطنية.

وضغطت وزيرة الخزانة جانيت يلين في الأشهر الأخيرة بشكل متكرر وعلني على البنك لتنفيذ الإصلاحات التي تهدف إلى تحويل المؤسسة إلى قوة لتمويل المناخ. كما حث جون كيري، منسق شؤون المناخ في الإدارة، وكان من أبرز المنافسين على منصب رئاسة البنك، على بذل المزيد من الجهد بهذا الصدد.

رئيس البنك الدولي الجديد أجاي بانغا. مصدر الصورة: أ ف ب

لكن بايدن الآن عاد إلى الخطاب الأساسي، وهو المزيد من التمويل للدول الفقيرة، وذلك بعد أن أثارت خريطة الطريق الجديدة التي وضعها البنك مخاوف من تهميش الجهود التقليدية الرامية إلى القضاء على الفقر وتمويل التنمية، وأن يصبح التحرك نحو المشاريع الصديقة للمناخ بمثابة تفويض غير ممول للدول الفقيرة. وتزامن ذلك مع منافسة صندوق التنمية.

هناك أيضا مخاوف من أن معظم تمويل المناخ سيتدفق بسهولة أكبر إلى الجهود المبذولة للتخفيف من انبعاثات الكربون التي تنتجها الدول الأكثر ثراء إلى حدّ كبير بدلا من المبادرات الرامية إلى مساعدة الدول الفقيرة التي تكافح بالفعل للتكيف مع ويلات تغير المناخ.

ونظرا للعقبة الكبيرة المتمثلة في زيادة رأس المال الإجمالي للبنك الدولي، فإن التحديين الكبيرين اللذين يواجهان رئيس البنك الدولي يتلخصان في تحسين الميزانيات العمومية للبنك لتحقيق المزيد من الاستفادة من رأس المال الحالي للمؤسسة وتعبئة رأس المال الخاص بما يزيد على ٥ أضعاف ما هو عليه حاليا. قال مسعود من مركز التنمية العالمية، حسب بوليتيكو.

اعرف أكثر عن..

مديونية دول عربية

توجه الولايات المتحدة للمزيد من التمويل للبنك الدولي خصوصا بشأن اقتراض الدول الفقيرة، سيساعد من دون شك دول عربية لديها مستويات مرتفعة من المديونية. أرصدة الدين الخارجي من إجمالي الدخل القومي لبعض الدول العربية هي كالآتي:

الأردن ٩٢.٩٪ خلال العام ٢٠٢١.

سوريا ٢٢.٢٪ خلال ٢٠١٨.

العراق ١٢.٣٪ خلال ٢٠٢١.

المغرب ٥٠.١٪ خلال ٢٠٢١.

تونس ٩١.٤٪ خلال ٢٠٢١.

مصر ٣٦.٦٪ خلال ٢٠٢١.

جيبوتي ٩٧.٧٪ خلال ٢٠٢١.

لبنان ٣٨١.٧٪ خلال ٢٠٢١.

الرئيس الأميركي جو بايدن عاد إلى الخطاب الأساسي، وهو المزيد من التمويل للدول الفقيرة. مصدر الصورة: أ ب

البنك الدولي

حذّر رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، في ١٨ يوليو، من أن الشرخ المتزايد بين الدول الغنية والفقيرة يهدّد بتعميق الفقر في العالم النامي، وذلك خلال اجتماع لوزراء المالية وحكام المصارف المركزية لدول مجموعة العشرين تستضيفه الهند.

ولا تزال العديد من الدول تسعى إلى التعافي من تبعات أزمتين متتاليتين هما الجائحة والغزو الروسي لأوكرانيا الذي تسبّب بارتفاع حاد في أسعار الوقود والموادّ الأساسية في العالم.

وإضافة إلى ذلك، يتسبّب التغيّر المناخي بتبعات مؤلمة على الدول الفقيرة الأقلّ قدرة على التأقلم معه. وأعرب بانغا عن خشيته من أنّ عدم تحقيق تقدّم في هذا المجال يهدد بانقسام حادّ في الاقتصاد العالمي على حساب الدول الأكثر فقرا.

وقال في كلمة أمام اجتماع مجموعة الـ٢٠ "الأمر الذي يثير قلقي هو غياب للثقة يؤدي بهدوء إلى إبعاد دول الشمال ودول الجنوب عن بعضها البعض في وقت نحن نحتاج إلى أن نتوحد". وقال "لا يمكننا تحمّل فترة أخرى من النموّ المحفَّز بالانبعاثات".

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة