سياسة

سكك الحديد بين العراق وإيران.. طهران تحقق "حلم الوصول للمتوسط"؟

نشر

.

مشروع الربط السككي بين العراق وإيران، الذي وضع حجر أساسه رئيس الوزراء العراقي محمد شيّاع السوداني في أغسطس المنصرم وبعد تحفظات عدة، ربما يؤسس لمرحلة جديدة للنفوذ الإيراني في المنطقة.

ففي حين يرى العراق في مشروع الربط السككي بين الدولتين الجارتين في منفذ الشلامجة الحدودي بمحافظة البصرة جنوبي البلاد، منفعة اقتصادية، فإن تصريح نائب الرئيس الإيراني محمد مخبر صبّ في اتجاه مختلف عبر تأكيده على الأهمية التجارية للمشروع باعتباره خطة استراتيجية لإيران والعراق، وبمثابة تحول شامل في التجارة بمنطقة الشرق الأوسط.

السوداني اعتبر المشروع، خلال حضور مخبر مراسم وضع حجر الأساس، واعدا أنه سيكون حلقة مهمة من حلقات نقل ملايين الزائرين الإيرانيين سنويا إلى المناطق المقدسة في البلاد.

احتفاء السوداني بالمشروع جاء على عكس رفض شديد سابق له عندما كان عضواً في مجلس النواب، وهو ما أثار الرأي العام حول الهدف الحقيقي من الربط السككي بين دول ما يعرف بـ "محور المقاومة".

الخط يتعدى حدود البلدين

إلى ذلك، قال وزير الطرقات وبناء المدن الإيراني مهرداد بذر باش، إن طول مشروع "شلمجة ـ البصرة" يبلغ 32 كيلومتراً، لافتاً إلى أن 16 كيلومترا من هذا الطريق يجب أن تُزال منه الألغام (مخلفات من الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي) وستُسلم هذه الأراضي للجانب الإيراني للبدء بإزالة تلك الألغام.

وأشار إلى اتفاق مع النظام السوري لوصول الخط بين إيران والعراق إلى الأراضي السورية أيضا، مضيفا أن الخط يعد "أحد أهم المشاريع السككية الإيرانية الاستراتيجية الذي طرح قبل 40 عاما لكنه تعثر في كل مرة".

تغيّر موقف السوداني

وعبر الكثير من الناشطين والمدونين العراقيين في مواقع التواصل عن استيائهم من موقف رئيس الحكومة العراقي المتلهف للمشروع وإنجازه بالرغم من رفضه القاطع لأي ربط سككي مع دول الجوار في السابق عندما كان نائباً، بحجة أنه يدمر المصلحة الوطنية والاقتصادية المرجوة من موقع الموانئ العراقية، ومنها ميناء الفاو المنتظر.

واتهم هؤلاء الناشطون السوداني بالرضوخ للضغوط الإيرانية والانصياع للإطار التنسيقي، التكتل السياسي الذي رشح السوداني ويعتبر من أكثر الجهات السياسية في العراق موالاة لإيران.

الناشطون أرفقوا تصريحات مختلفة للسوداني متهمين إياه بالتناقض بعد رفضه السابق وترحيبه الحالي للمشروع.

واتهم العديد من المدونين السوداني بالقضاء على الأحلام الاقتصادية للبلاد المنتظرة، باكتمال ميناء الفاو والمضي خلف أحلام وأهداف إيران بإنشاء طريق استراتيجي رابط اقتصادياً وسياسيا لدول "محور المقاومة" الممتدة من إيران إلى سوريا.

كما اتهموا أيضاً أن الموافقة على هذا المشروع كان من أبرز شروط القبول بتكليف السوداني لرئاسة الوزراء لتحقيق أحلام إيران أولاً.

رصاصة رحمة على ميناء الفاو

وزير النقل العراقي السابق، والنائب الحالي في مجلس النواب العراقي عامر عبد الجبار، وصف مشروع الربط السككي بين العراق وايران برصاصة الرحمة على ميناء الفاو.

وأكد عبد الجبار في مقاطع فيديو وتغريدات نشرها على مواقع التواصل الخاصة به، أن الربط السككي مع إيران بنقل المسافرين هو ادعاء كاذب لعدم ورود أي حصرية بذلك.

وأضاف عبد الجبار قائلاً إن "وضع حجر الأساس أثناء انشغال المواطنين بالزيارة الأربعينية مقصود".

واعتبر الوزير السابق أن المشروع ما هو إلا "رصاصة الرحمة لمشروع ميناء الفاو".

بين إيجابية وسلبية

ووسط هذا الهجوم الذي شنّ على رئيس الوزراء العراقي والمشروع، فإن مراقبين عوّلوا على مشروع الربط السككي وجدواه الاقتصادية المستقبلية، في جعل العراق ممراً عالمياً لنقل البضائع.

المحلل السياسي علي البيدر بيّن أن المشروع "يمثل مقدمة لمشاريع نقل استراتيجية تربط البلاد بدول الجوار وصولًا إلى دول وسط آسيا"، مؤكداً في تغريدة له أن "المشروع لن يؤثر على الموانئ العراقية التي تحظى باهتمام وجدية حكومية، خصوصاً ميناء الفاو الذي يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في نسب الإنجاز.

وتوقع أن يُنجز المشروع في فترة زمنية لا تتعدى العامين، مشيراً إلى أن تدشين هذا الخط سيمنح "قفزة نوعية" للتجارة بين إيران والعراق والدول الواقعة في شرق العالم والراغبة في استخدام خطوط السكك الحديدية الإيرانية للوصول إلى غرب العالم ودول البحر الأبيض المتوسط.

الفوائد التي يتحدث عنها البيدر مستقبلياً، تتقاطع مع ترجيحات لخبراء اقتصاديين حول تأثيرات المشروع المستقبلية الخطيرة على موانى العراق، وفقدها لأهمية الموقع الاستراتيجي الذي تتمتع به.

ووفقا للخبراء، سيؤثر مشروع الربط السككي الجديد على ميناء الفاو الكبير، فيما ستصبح الموانئ الإيرانية مركزاً عالمياً للتبادل التجاري من خلال امتداد سككها للموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط.

أستاذ الاقتصاد في جامعة البصرة أحمد صدام يؤكد لـ "بلينكس" أن الربط السككي سيؤثر بشكل سلبي على واقع ميناء الفاو الكبير، بحكم أن وجود ميناء جاهز ووجود ربط سككي من ميناء خميني إلى البصرة، ومن ثم إلى سوريا، سيرفع من مستوى الحركة الملاحية باتجاه إيران على حساب الموانئ العراقية.

وهذا يشكّل، حسب صدام، خسارة كبيرة لا تقتصر فقط على حركة الملاحة الدولية، وإنما خسارة كبيرة حتى على مستوى الاستثمارات.

إيران والوصول للمتوسط

منذ عام 2016، بدأ الحديث بجدية عن مشروع سكة حديد تربط شلمجة الإيرانية بالبصرة في العراق، وصولاً إلى ميناء اللاذقية على البحر المتوسط في سوريا.

استكمال مشروع الربط السككي بين إيران والعراق وسوريا، يتيح إمكانية نقل البضائع من باكستان أو ميناء تشابهار الإيراني (جنوب شرق) والبضائع التي تصل من الصين وآسيا الوسطى عبر القطار إلى منطقة "سرخس" (شمال شرق)، ثم إلى الموانئ السورية والبحر المتوسط عبر شبكة سكك الحديد العراقية، فضلا عن نقل السلع من روسيا وأوروبا إلى العراق.

وكان الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني أكد، خلال زيارته إلى العراق في 2021، أن ربط سكة حديد شلمجة الإيرانية بالبصرة، ستربط العراق بباكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى وروسيا والصين، و"ستعود بالنفع على الشعبين العراقي والإيراني".

وفي وقت سابق، قال مساعد مدير شركة سكك الحديد الإيرانية مازيار يزداني إنه "بقي إنجاز 32 كيلومتراً من مشروع الخط الذي يربط إيران بالعراق، عبر إنشاء جسر متحرك بطول 800 متر فوق نهر أروند روند" (شط العرب).

وخلال إبريل الماضي، زار وفد إيراني اقتصادي، ترأسه وزير النقل الإيراني مهرداد بذرباش، العاصمة السورية دمشق لإجراء مباحثات حول مشروع النقل السككي الثلاثي بين إيران والعراق وسوريا.

وحينها، ذكرت وكالة "سانا" الرسمية أن وزير النقل لدى النظام السوري زهير خزيم بحث مع وزير الطرق وبناء المدن الإيراني بذرباش "آفاق التعاون الثنائي بين سوريا وإيران في مجالات النقل البري والبحري والجوي والسكك الحديدية".

وتعطي إيران أهمية قصوى لمشروع ربط شبكة السكك الحديد بين مدينتي شلمجة (جنوب غربي إيران) والبصرة (جنوبي العراق)، لكونه يربطها بالعراق وسوريا ومنطقة البحر المتوسط، وسيساهم في تحقيق تغيير كبير في المنطقة كما يرى مراقبون.

من يتحمل التكاليف؟

في الغضون يتساءل ناشطون من سيتحمل تكلفة المشروع الباهظة، خصوصاً أن كلاً من إيران وسوريا ترزحان تحت اقتصاد منهار بسبب العقوبات الاقتصادية الصارمة عليهما من المجتمع الدولي.

ويجيب مدير شركة السكك الحديدية الإيرانية، سعيد رسولي أن إيران تولت مسؤولية إزالة الألغام بطول 16 كيلومتراً في نطاق الخطة، وأنجزت هذه المهمة؛، كما أن إزالة الألغام من مسافة 16 إلى 18 كيلومتراً القادمة هي مسؤولية العراق.

بدوره قال الخبير الاقتصادي، نبيل المرسومي، إن "الكلفة الأولية للمرحلة الأولى 148 مليون دولار وستصل التكلفة الكلية بعد إكمال المرحلة الثانية إلى 10 مليارات دولار، وتم الاتفاق على أن تقوم كل دولة بتحمل كلفة إنشاء هذا الخط".

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة