هل تقترب الصين من قلب الهيمنة البحرية الأميركية؟
قبل عقدين فقط، كان ينظر إلى البحرية الأميركية باعتبارها القوة التي لا تضاهى في العالم، وذلك لأنها مدعومة بقاعدة صناعية مترامية، وحاملات طائرات تجوب المحيطات بلا منافس، وقدرة إنتاجية تضمن تفوقها لعقود.
لكن المشهد تغيّر اليوم بصورة دراماتيكية بسبب تصاعد قوة صينية جديدة تعمل بوتيرة تشبه اقتصاد الحرب: أحواض سفن عملاقة تعمل ليلا ونهارا، وصواريخ باليستية مضادة للسفن تطور لأول مرة في التاريخ، وتكامل عميق بين الصناعات المدنية والعسكرية يضخ قدرات غير مسبوقة في منظومة الدفاع.
وفي وقت تكافح الولايات المتحدة لتجديد أساطيلها وتجاوز أعطابها الصناعية، تبدو الصين وكأنها تعيد رسم خريطة القوة البحرية عبر تراكم كمي مذهل، وتوسع صناعي مدروس، وصعود سياسي يوازي التحولات التكنولوجية.
هذه الديناميكية تطرح سؤالا مركزيا: هل وصلت الصناعة الدفاعية الصينية إلى مستوى من الزخم والقوة يجعلها قادرة فعلا على منافسة الولايات المتحدة في معظم عناصر القوة البحرية؟
ديناميكية الصناعة الدفاعية الصينية.. "وتيرة حرب" مقابل "وتيرة سلم"
وفق تقرير
CSIS حول القاعدة الصناعية الدفاعية الصينية، تعمل بكين على "أساس تعبئة حرب"، حيث تنتج الذخائر والأنظمة المتقدّمة بمعدل يفوق الولايات المتحدة بـ٥ إلى ٦ أضعاف.
ويشير التقرير أيضا إلى أن الصين ضخّت في منظومتها الصناعية دفاعا متكاملا عبر سياسة "الاندماج العسكري-المدني" التي مكنت مئات الشركات الخاصة من دخول قطاع الدفاع، ما زاد القدرة الإنتاجية ومعدلات الابتكار بشكل كبير.
في المقابل، يحذّر تقرير CSIS من أنّ القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية "تفتقر إلى القدرة والمرونة والسرعة اللازمة لتلبية متطلبات حرب كبرى"، مع اعتماد كبير على موردين أجانب في مكوّنات حيوية، خاصة في بناء الغواصات.
هذه الفجوة في السرعة والمرونة هي ما يجعل الصناعة الصينية اليوم أكثر ديناميكية في نظر محللي
The National Interest، الذين يرون أن الأنظمة السلطوية تستطيع تسريع القرارات وتجاوز البيروقراطية، بما يمنح الصين "قدرة تنفيذية أعلى في ميادين المنافسة البحرية".
القوة البحرية.. الصين أكبر ورشة سفن في العالم
تكشف الوثائق أنّ العنصر البحري هو القطاع الأكثر استفادة من صعود الصناعة الدفاعية الصينية.
1. التفوق في القدرة على بناء السفن
بحسب CSIS، تعتبر الصين أكبر دولة لبناء السفن في العالم، إذ تمتلك قدرة إنتاجية تفوق نظيرتها الأميركية بـ230 مرة. أحد أحواضها، مثل حوض "جيانغنان"، يمتلك قدرة تفوق جميع أحواض بناء السفن الأميركية مجتمعة.
وتُظهر الوثيقة أن قواعد بناء السفن الصينية الضخمة، مثل قاعدة "تشانغشينغ"، توسعت إلى أكثر من 11.5 كم²، مع خطط لإضافة 4.3 كم² إضافية، ما يعكس استعداد الصين لخوض سباق طويل في الإنتاج البحري.
2. حجم الأسطول مقابل القدرة النوعية
تشير وثائق CSIS إلى أن الأسطول الصيني أصبح الأكبر في العالم من حيث عدد القطع، لكنه ما يزال أدنى من البحرية الأميركية في الحمولة الكلية وحجم الخلايا الصاروخية (VLS) والقتال بعيد المدى والدفاعات المضادة للغواصات.
ومع ذلك، فإن الفجوة "تضيق بسرعة"، خاصة في بيئة قتال قريبة من السواحل الصينية، حيث يمكن للبر الصيني تقديم دعم صاروخ
الغواصات والصواريخ.. تهديد متصاعد لقدرة الردع الأميركية
- الصين ضاعفت عدد غواصاتها الحديثة خلال العقدين الأخيرين.
- طوّرت أول صواريخ باليستية مضادة للسفن في العالم.
- القوة الهجومية للغواصات الصينية نمت "بمقدار ١٠ أضعاف" في القدرة على الوصول إلى حاملات الطائرات الأميركية.
وفي الوقت نفسه، تكشف الوثائق الأميركية عن تراجع في قدرة الولايات المتحدة على إنتاج غواصات جديدة بسبب نقص "سبائك التيتانيوم" ومحدودية القدرة الصناعية، وهو ما وصفته GAO بأنه "مخاطرة استراتيجية".
هل أصبحت الصين منافسا بحريا شاملا للولايات المتحدة؟
لم تعدّ الصين مجرد قوة صاعدة، بل باتت تمتلك آلة دفاعية تتحرك بسرعة غير معهودة. تُنتج أكثر، وتبتكر أسرع، وتستفيد من دمج محكم بين القطاعين المدني والعسكري، بينما تمنحها مركزية القرار قدرة على حسم الخيارات وتنفيذها في زمن قياسي؛ وهو ما لم تعد الصناعة الدفاعية الأميركية قادرة على مجاراته.
وفي البحر، حيث تتقرر هيبة الدول الكبرى، تظهر الفجوة أكثر وضوحا، إذ تبني الصين سفنا بمعدلات تذكر بزمن الحروب الكبرى: أحواض سفن تتوسع بلا توقف، ومدمرات وحاملات وطرازات جديدة تنزل إلى المياه بوتيرة تجعل الولايات المتحدة تراقب بقلق.
ورغم أنّ البحرية الأميركية ما تزال تتفوّق نوعيا، خاصة في الغواصات، والقتال تحت السطح، والأنظمة بعيدة المدى، فإنّ ما كان يوما فجوة واسعة بين القوتين أخذ اليوم يضيق، ليس لأن واشنطن تتقدم، بل لأن بكين تلحق بسرعة لافتة.