من مُقترض إلى مُقرِض.. كيف باتت اليونان تنقذ فرنسا من عجزها؟
في تطور غير متوقع، كشفت وثائق الموازنة الفرنسية لنهاية 2025 أنّ اليونان، التي كانت قبل سنوات رمزا لأزمة الديون الأوروبية، قدمت لباريس متنفسا ماليا، إذ سارعت أثينا إلى تسديد دفعات مبكرة من ديونها لفرنسا، مانحة الحكومة الفرنسية إيرادات إضافية في لحظة تشهد فيها موازنة 2026 ضغوطا غير مسبوقة.
وبحسب صحيفة
لوموند، لا يمثل هذا السداد المبكر مجرد تفصيل محاسبي، بل تحوّلا يعكس مسارا معاكسا تماما لما كان عليه الوضع قبل عقد من الزمن.
ويدعم تقرير لوكالة
رويترز الصورة ذاتها، مؤكدا أن اليونان تخطط اليوم لتسديد قروض برنامج الإنقاذ الأول بالكامل بحلول عام 2031، أي قبل ١٠ سنوات من موعدها الأصلي، في إشارة واضحة إلى استعادة ثقة الأسواق وقوة الفوائض التي راكمها الاقتصاد اليوناني.
مفاجأة داخل البرلمان.. 1.1 مليار يورو تصل من أثينا
بدأت القصة حين اكتشف النواب الفرنسيون داخل وثائق مشروع الموازنة أن اليونان قامت هذا العام بتسديد 1.1 مليار يورو لفرنسا قبل موعد الاستحقاق.
كان يفترض أن تسدد أثينا المبلغ بين 2033 و2041، لكنّها فضّلت التخلص السريع من ديونها لتحسين صورتها الائتمانية، وهو ما يتماشى مع استراتيجيتها الأوسع التي كشفتها رويترز، والقائمة على دفع أقساط سنوية قد تصل إلى 5 مليارات يورو لخفض الدين بسرعة لافتة.
وتقول لوموند إنّ المبلغ جاء في لحظة حساسة لحكومة باريس التي كانت تكافح لاحتواء العجز بعد "عامين من الانفلات المالي".
في هذا الصدد، علّق السيناتور جان-فرانسوا هوسون بسخرية قائلا: "يمكننا شكر أصدقائنا اليونانيين على مساعدتنا في تقليص عجزنا"، بينما ذهب النائب فيليب جوفان إلى سؤال أكثر مرارة: "هل يمكن لفرنسا أن تتعلّم من التجربة اليونانية؟".
ولا تعتبر خطوة أثينا معزولة، إذ سبق و أن دفعت لفرنسا 1.7 مليار يورو في عام 2024، أيضا قبل الموعد.
وتشير رويترز إلى أنّ الدين اليوناني سينخفض لأوّل مرّة كقيمة مطلقة إلى نحو 365.8 مليار يورو في 2024، وهو تحول رمزي يؤكد خروج البلاد من إرث الأزمة.
كيف أصبحت اليونان "أكثر موثوقية" من فرنسا في الأسواق؟
التحوّل الأكبر في القصة، وفق لوموند، هو أنّ الأسواق العالمية باتت تعتبر اليونان مُقترِضا أكثر أمانا من فرنسا منذ صيف 2025، وهو مشهد مقلوب تماما مقارنة بأزمة 2010 حين كانت أثينا على حافة الانهيار. ما حدث خلال العقد الأخير هو نتيجة برنامج إصلاحات قاس تضمن:
- إلغاء المكافأتين (الشهر 13 و14) في القطاع العام
- تطبيق إصلاحات متقدمة في أنظمة التقاعد
- رقابة مشددة على الإنفاق العام
سمحت هذه الإجراءات لليونان بتسديد ديونها لصندوق النقد مبكرا بعامين، ثم البدء بتسديد ديون منطقة اليورو.
وتدعم رويترز الصورة ذاتها، إذ تتوقع أن ينخفض الدين اليوناني إلى 135% من الناتج المحلي بحلول 2027، مقابل صعود الدين الإيطالي إلى 138%، ما قد ينقل لقب "الدولة الأكثر مديونية في أوروبا" من أثينا إلى روما للمرّة الأولى منذ عقدين.
رسالة سياسية لباريس.. الدين قد يخنق الدولة
ورغم أن الحكومة الفرنسية رحّبت بالأموال اليونانية، فإن وزيرة الحسابات العامة، أميلي دو مونشالان، رفضت تماما فكرة الاقتداء بالوصفة اليونانية، لكنها لخصت "درس اليونان" بجملة لافتة: "حين لا يضبط بلد دينه العام، يمكن أن يُختنق تماما بسبب فوائد هذا الدين".
كانت الرسالة موجّهة للنواب الذين يناقشون ميزانية 2026 وسط تحذيرات بأنّ العجز قد يلامس 5%، وهي نسبة تهدد بتراكم فوائد الدين إلى مستويات يصعب التحكم بها.
وفي السياق ذاته، تنقل رويترز أن اليونان ترى أن خفض دينها ليس مجرد سياسة اقتصادية، بل "خط دفاع" يمنع تكرار الكارثة المالية التي كادت تُسقط الدولة قبل سنوات.