لاجئون بين لندن وكانبرا.. هربوا من الموت فأُعيدوا إليه
من شمال فرنسا إلى السواحل الشمالية لأستراليا، تكشف تقارير جديدة عن سياسات متباعدة جغرافيا لكن متقاربة في آثارها الإنسانية.
في بريطانيا، وثّقت صحيفة
الغارديان شهادات قاسية لأشخاص رُحّلوا إلى فرنسا بموجب سياسة "واحد داخل، واحد خارج"، مؤكدين أنهم "لا يجدون مكانا آمنا للذهاب إليه" وأن الترحيل السريع حرمهم من عرض ظروفهم وتسبب للعائدين في العنف والتشرّد والانهيار النفسي.
وفي المقابل، يكشف تحقيق
أي بي سي نيوز الأسترالي عن برنامج تعمل فيه وكالات حكومية على شراء قوارب صيد وإعادة تجهيزها، بعد إزالة أسمائها وإضافة معدات سلامة، لإعادة المهاجرين والصيادين الذين يُضبطون في المياه الأسترالية إلى بلدانهم عبر البحر، في عملية وُصفت بأنها "سياسة لا تستقيم مع واجب حماية الأرواح".
الهروب إلى بريطانيا.. والعودة القسرية إلى فرنسا
تكشف الشهادات الواردة من باريس حجم الآثار الإنسانية التي خلّفتها سياسة الترحيل البريطانية.
يعيش الإيراني الذي أُعيد أولا إلى فرنسا قبل أن يحاول العودة إلى بريطانيا تحت تهديد المهرّبين، ويقول إن كلّ خطوة يخطوها خارج الملجأ "تشبه خطرا جديدا"، وإنه يشعر بأن الحدود تعيد تشكيل حياته ذهابا وإيابا بلا استقرار.
أما الشاب الإريتري، فوجد نفسه بلا مأوى بعدما أغلق الملجأ أبوابه ليلا، ليُترك في الشارع حيث تعرّض لهجوم. والمفارقة أن التقارير الطبية التي سبقت ترحيله الأول كانت تُثبت وجود علامات تتسق مع روايته عن التعذيب والاتجار فيه، ومع ذلك لم تمنحه السياسة البريطانية فرصة لعرض ظروفه.
وعلى نحو مماثل، تروي الإريترية، أول امرأة تُرحَّل بموجب السياسة، كيف وصلت إلى بريطانيا هربا من الاضطهاد الديني، لكنها وُضعت في السجن فور وصولها. تحمل دفترا صغيرا دوّنت فيه رحلتها، وتقول بمرارة: "لم أطلب جواز سفر.. طلبت الأمان".
داخل الاحتجاز البريطاني.. خوف لا يهدأ وانهيار نفسي
يستعيد رجل سوري، الذي فرّ من تهديدات متلاحقة وعاش سنوات طويلة في رحلة هروب لا تنتهي، تجربته داخل مركز الاحتجاز البريطاني. يقول بصوت خافت إنّ ما رآه هناك لن ينساه أبدا: ٤ محاولات انتحار في أيام متقاربة، كأن المكان نفسه يُعيد إنتاج اليأس.
ويضيف أنّه، مع مرور الوقت، لم يعد يرى فارقا بين "المهربين الذين هربتُ منهم" وبين الاحتجاز الذي وُضع فيه في بريطانيا، كلاهما، كما يقول، "يُعيدك إلى الخوف نفسه".
وفي شهادة أخرى، يلخص رجل من إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا الشعور العام بين المحتجزين بجملة واحدة: "نحن مجرد ورقة سياسية.. فقط ورقة سياسية".
وراء هذه الكلمات تتكشف صدمة نفسية عميقة:
- انعدام كامل للشعور بالأمان،
- يقين متزايد بأنّ فرصة تقديم طلب لجوء عادل تكاد تنعدم،
- وتحوّل المهاجرين إلى ملفات تُنقل بين باريس ولندن من دون أن يُسمع صوتهم.
هذه الانهيارات النفسية ليست مجرّد تفاصيل جانبية، بل هي النتيجة المباشرة لسياسة تُعيد الناس إلى المكان الذي هربوا منه، وتحرمهم من فرصة البدء من جديد.
أستراليا.. إعادة البشر إلى البحر على متن قوارب ممولة بالضرائب
على الطرف الآخر من العالم، يكشف تحقيق أي بي سي عن سياسة تحمل جوهرا مشابها، وهو إرجاع الناس إلى البحر على متن قوارب جهّزتها الحكومة نفسها.
يكشف تقرير أي بي سي أن قوة الحدود الأسترالية اشترت قوارب صيد أسترالية بقيمة تتراوح بين 150 و250 ألف دولار، ثم أعادت تجهيزها، إزالة الأسماء، إضافة مقاعد وسترات نجاة ومعدات ملاحة، قبل تسليمها للصيادين الأجانب والمهاجرين الذين يُضبطون في المياه الأسترالية لإعادتهم إلى إندونيسيا أو غيرها.
في أحد الحوادث، أعادت السلطات 44 رجلا من بنغلاديش على متن قارب من هذا النوع بعد اعتراض رحلتهم. وصف أحد الصيادين المحليين السياسة بأنها "مهينة"، مضيفا: "نعطي الصيادين غير الشرعيين قوارب أفضل مما كانوا يحلمون به".