سياسة

عزلة إيران تتعمق.. انحسار الملاجئ وتراجع الخيارات بعد مادورو

نشر
blinx
تواصل إيران خسارة ركائز نفوذها الخارجي في فترة زمنية قصيرة. فبعد سقوط حليفها في سوريا المتمثل في بشار الأسد، وإضعاف حزب الله وحماس، وتراجع نفوذ الحوثيين في اليمن، ثم تعرضها لضربات إسرائيلية وأميركية خلال حرب 12 يوما في يونيو الماضي، وجدت طهران نفسها أمام خسارة حليف آخر لطالما شكل سندا سياسيا واقتصاديا مهما.

لقاء المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في طهران عام 2015

ضربة للتحالف الإيراني–الفنزويلي

مثل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ضربة مباشرة لهذا التحالف، وسارعت طهران إلى التعبير عن موقفها. فقد أدان وزير الخارجية عباس عراقجي بشدة ما وصفه بـ"العدوان العسكري الأميركي" و"اختطاف الرئيس الشرعي لفنزويلا وزوجته"، معتبرا أن الخطوة الأميركية تمثل "نموذجا واضحا لإرهاب الدولة وانتهاكا صارخا لسيادة فنزويلا وإرادة شعبها".
في هذا السياق، رأت قناة فوكس نيوز أن اعتقال مادورو شكل ضربة قوية للعلاقات الإيرانية–الفنزويلية، موضحة أن كاراكاس لعبت دورا محوريا كحليف لطهران ومركز للتعاون السياسي والعسكري، بما في ذلك شراكات في مجالات حساسة.

ارتدادات تتجاوز أميركا اللاتينية

لكن تداعيات سقوط مادورو لا تقتصر على الساحة اللاتينية أو الخطاب الدبلوماسي الإيراني. فقد أعاد هذا التطور رسم جزء من خريطة التحالفات التي بنتها إيران خارج الشرق الأوسط، وامتد تأثيره إلى الحسابات الداخلية للنظام في طهران، في وقت تشهد فيه البلاد احتجاجات متواصلة وضغوطا سياسية وأمنية متزايدة، وفق تقرير أعدّه منتدى الشرق الأوسط في واشنطن.
لم تكن فنزويلا مجرد حليف سياسي لإيران، بل كانت تُعدّ داخل بعض دوائر النظام خيارا نادرا ومهما، يُنظر إليه كملاذ محتمل للنخب الحاكمة في حال تعرضت السلطة في إيران لهزة كبرى، وفق تقرير المنتدى.
ويربط التقرير بين سقوط مادورو وبين ما يمكن وصفه بحالة "توازن قلق" داخل النظام الإيراني، حيث يصبح النظام، من جهة، أكثر تمسكا بالبقاء في الحكم، ومن جهة أخرى أكثر حذرا في استخدام العنف ضد المتظاهرين، خشية أن يؤدي التصعيد إلى ردود فعل خارجية مباشرة.

تظاهرات داخلية وحسابات القمع

تعزز هذا القلق مع تصعيد واضح في الخطاب الأميركي. ففي مطلع يناير 2026، كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن بلاده ستتدخل لحماية المتظاهرين الإيرانيين إذا لجأ النظام إلى قتلهم، قبل ساعات فقط من الإعلان عن تنفيذ عملية خاصة في كاراكاس انتهت باعتقال مادورو.
هذا التزامن منح التهديدات الأميركية وزنا إضافيا، وفرض على القيادة الإيرانية إعادة حساب حدود القوة التي يمكن استخدامها في الداخل.
وتتواصل في إيران التظاهرات في عدد من المدن الكبرى، مدفوعة بأسباب اقتصادية في مقدمتها تدهور العملة وارتفاع الأسعار، قبل أن تتحول في كثير من المناطق إلى احتجاجات سياسية ضد النظام. وقد ردت السلطات بانتشار أمني واسع واعتقالات، ومحاولات للسيطرة على الشارع ومنع توسع الاحتجاجات.
يضع هذا الواقع النظام أمام معادلة صعبة: كيف يمكن احتواء الغضب الشعبي ومنع اتساعه، من دون اللجوء إلى قمع دموي قد يُفسَّر خارجيا على أنه تجاوز لخطوط حمراء سبق أن لوّحت واشنطن بالتحرك عندها، وفق ما نقلته قناة إيران إنترناشيونال.

انحسار الملاجئ وتراجع الخيارات

ولا ينفصل هذا الحذر عن ذاكرة القيادة الإيرانية القريبة. ففي عامي 2018 و2019، صعّدت طهران أنشطتها الإقليمية على أساس قناعة بأن واشنطن لن تذهب بعيدا في المواجهة. غير أن قرار ترامب في يناير 2020 تنفيذ ضربة جوية أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد شكّل نقطة تحول، وأثبت أن الرهان على عدم التدخل الأميركي قد يكون مكلفا.
وتعزز هذا الإدراك لاحقا مع ضربات أميركية استهدفت منشآت إيرانية حساسة على خلفية التوتر حول الملف النووي، ما رسخ لدى القيادة الإيرانية قناعة بأن التهديدات الأميركية ليست مجرد أدوات ضغط سياسي، بل خيارات قابلة للتنفيذ.
ويقارن محللون هذا الوضع بما جرى بعد سقوط نظام الشاه عام 1979، حين تمكن كثير من كبار المسؤولين من اللجوء إلى دول غربية وفّرت لهم حياة مريحة وقريبة من نمط عيشهم. أما اليوم، فتواجه نخب إيران واقعا أكثر قسوة، في ظل محدودية الدول التي يمكن أن تستقبلهم من دون مخاطر سياسية أو قانونية.
كما يزيد العامل المذهبي من ضيق الخيارات، إذ إن الدول ذات الغالبية الشيعية قليلة، والعراق يشهد حضورا عسكريا أميركيا، فيما تتسم علاقات إيران مع دول مثل أذربيجان بتوترات سياسية وأمنية. كما أن الجماعات المسلحة المدعومة من طهران في لبنان واليمن لا تسيطر على كامل أراضي تلك الدول، ما يجعل أي لجوء محتمل محفوفا بالمخاطر إذا تغيّرت موازين القوى.
وتشير تقارير إلى أن تشديد الضغوط الأميركية في أميركا اللاتينية لم يقتصر على فنزويلا، بل شمل أيضا كوبا ونيكاراغوا، ما أخرج هذه الدول من دائرة الخيارات المحتملة، وترك أمام النخب الإيرانية بدائل محدودة مثل روسيا أو الصين أو بعض الدول الأفريقية، لكل منها حساباته وتعقيداته الخاصة.

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة