من إيران إلى فنزويلا.. هل تبنى ترامب دبلوماسية الزوارق الحربية؟
تتبلور ملامح استراتيجية جديدة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقوم على الضرب المفاجئ ثم فرض الإذعان، في عودة واضحة إلى ما يشبه "دبلوماسية الزوارق الحربية" (Gunboat Diplomacy)، بحسب
تحليل لصحيفة وول ستريت جورنال.
ودبلوماسية الزوارق الحربية هي أسلوب من أساليب السياسة الدولية يستخدم التهديد بالقوة العسكرية أو عرض القدرة العسكرية كوسيلة للضغط على دولة أخرى لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، دون اللجوء بالضرورة إلى الحرب الشاملة.
وجاءت العملية الأميركية التي أسفرت عن اعتقال رئيس فنزويلا ذروةً لشهر حافل بتحركات عسكرية هجومية قادها ترامب، شملت استهداف جماعات متطرفة مزعومة في شمال نيجيريا، وضربات ضد تنظيم "داعش" في سوريا، إضافة إلى التلويح بإعادة استهداف إيران.
عنصر المفاجأة والقوة الخاطفة
هذه السلسلة من العمليات تعكس اعتماد ترامب المتزايد في ولايته الثانية على عنصر المفاجأة والقوة الخاطفة، في إطار عقيدة ناشئة تهدف إلى توجيه ضربة عسكرية محدودة ثم إجبار الخصوم على الرضوخ للمطالب الأميركية، دون الحاجة إلى غزو بري واسع أو تبريرات سياسية تقليدية.
وفي فنزويلا، تجاهل ترامب تقريبًا كل الأعراف المعتادة للتدخلات العسكرية: لا خطاب رئاسي من المكتب البيضاوي، ولا تفويض من الكونغرس، ولا وعود بانتخابات، ولا حتى خطة معلنة لمستقبل البلاد.
العملية في كراكاس شاركت فيها قوات "دلتا فورس" الخاصة وأكثر من 150 طائرة حربية، وحملت بصمات مشابهة لضربات أميركية أخرى هذا العام، مثل قصف مواقع نووية إيرانية بواسطة قاذفات B-2، والحملة الطويلة ضد الحوثيين في اليمن.
ورغم أن العملية قلبت موازين الواقع السياسي، فإنها توقفت عند حدود عدم الانخراط البري الواسع، في محاولة لتجنب التورط العميق وسقوط خسائر بشرية أميركية، حتى لو كان ذلك على حساب التأثير طويل الأمد في مستقبل فنزويلا.
ترامب نفسه أشاد بالعملية واعتبرها نموذجًا يُحتذى، قائلًا في مقابلة مع قناة فوكس نيوز: "ما حدث كان أمرًا مذهلًا، ويمكننا أن نفعله مرة أخرى. لا أحد يستطيع إيقافنا".
لكن هذه المقاربة لا تخلو من المخاطر. فتكثيف التدخلات العسكرية قد يؤدي إلى استنزاف الجيش الأميركي، أو إلى الانزلاق في صراعات مفتوحة إذا فشلت الضربات المحدودة في تحقيق أهدافها.
ويقول ستيفن ويرثايم، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن ترامب "رغم سمعته كانعزالي، يواصل تحميل جيش مُنهك أعباءً إضافية وتوزيعه على جبهات أكثر".
كما أن هذه السياسة قد تُفضي إلى عزلة دولية متزايدة، عبر تنفير الحلفاء الذين يرفضون دعم التحركات الأحادية الجانب.
الولايات المتحدة "تدير" الأمور؟
وفي الحالة الفنزويلية، تبدو أهداف الإدارة الأميركية أوسع وأكثر تعقيدًا. فقد أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن واشنطن تراهن على حصار بحري لصادرات النفط للضغط على السلطات الفنزويلية، بهدف إجبارها على فتح الحقول النفطية أمام الشركات الغربية، ووقف تعاونها مع إيران وكوبا والصين وروسيا.
ورغم تهديد ترامب بشن موجة ثانية من الهجمات إذا لم تستجب القيادة الفنزويلية، فإن هذا الخيار ما زال معلقًا.
وأصر ترامب الأحد على أن الولايات المتحدة "تدير" الأمور، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه يتعامل أيضا مع القيادة الجديدة في كراكاس.
من جهتها، قالت ديلسي رودريغيز، الرئيسة الموقتة لفنزويلا، إنها مستعدة للعمل مع إدارة ترامب، مطالبة الرئيس الأميركي بعلاقة متوازنة وقائمة على الاحترام.
وواجه ترامب تساؤلات بشأن تأكيداته المتكررة بأن واشنطن أصبحت تدير فنزويلا عقب العملية العسكرية الأميركية التي أدت إلى اختطاف مادورو وزوجته قبل فجر السبت.
ومن المقرر أن يمثل مادورو أمام محكمة في نيويورك اليوم الإثنين لمواجهة تهم مرتبطة بالاتجار بالمخدرات.
وقال ترامب لصحافيين في الطائرة الرئاسية "إير فورس وان" عندما سُئل عما إذا كان قد تحدث إلى الرئيسة الفنزويلية الموقتة ديلسي رودريغيز "نحن نتعامل مع الأشخاص الذين أدوا اليمين للتو. لا تسألوني من المسؤول لأنني سأعطيكم إجابة وستكون مثيرة للجدل للغاية".
وعندما سُئل عما يعنيه قال "هذا يعني أننا نحن من يدير" الأمور في فنزويلا.
ترامب يبرر هذه السياسة باعتبارها جزءًا من استراتيجية أمن قومي جديدة تسعى لترسيخ الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي قائلا: "نريد أن نُحاط بجيران جيدين، بالاستقرار، وبالطاقة".
في المقابل، أثارت هذه التحركات انتقادات حادة من الديمقراطيين، حيث قال السيناتور مارك وورنر إن الولايات المتحدة "أمضت 70 عامًا تحاول الابتعاد عن عقلية القوة الاستعمارية في الأميركيتين، لكن ذلك انهار فجأة".
حتى داخل المعسكر المحافظ، أعرب البعض عن قلقهم من تناقض هذه السياسة مع تعهدات ترامب السابقة بتجنب حروب تغيير الأنظمة وبناء الدول.