الدعوة الرقمية 2.0.. كيف يوظف الإخوان تيك توك لاستقطاب Gen Z؟
مع تصاعد القيود المفروضة على الجماعات المتطرفة في المنصات الرقمية الكبرى، بدأ تنظيم الإخوان في إعادة صياغة حضوره الإعلامي عبر الانتقال إلى منصات بديلة وأقل خضوعا للرقابة، مستهدفة فئات شبابية لم تعد تتفاعل مع الخطاب التقليدي.
هذا التحول، وفقا لتقارير بحثية أوروبية وإقليمية، يعكس توجها منظما نحو ما بات يُعرف بـ"الدعوة الرقمية 2.0"، حيث يجري توظيف منصات مثل ديسكورد وتيك توك لنشر الأيديولوجيا الإخوانية بأساليب تتلاءم مع ثقافة جيل زد.
تحولت منصة ديسكورد، التي أُطلقت عام 2015 كمنصة مخصصة للاعبي ألعاب الفيديو، تدريجيا إلى فضاء حاضن لأنماط متعددة من التطرف، وفقا لدراسة أعدّها
معهد الحوار الاستراتيجي البريطاني.
وتضم المنصة نحو 650 مليون مستخدم مسجل و200 مليون مستخدم نشط شهريا وأكثر من 32 ملايين خادم، بعضها مغلق ولا يتاح الدخول إليه إلا عبر دعوات خاصة، وفقا لموقع البيانات
Demand Sage ما يجعلها بيئة مثالية لبناء مجتمعات أيديولوجية شبه سرية.
وتشير دراسة معهد الحوار الاستراتيجي، إلى رصد 16 خادما على ديسكورد عام 2022 تروّج للتطرف، بلغ مجموع متابعيها نحو 4757 مستخدما.
لا تُعرّف هذه الخوادم نفسها دائما بوصفها منصات سياسية أو أيديولوجية، بل غالبا ما تقدم على أنها مساحات نقاش ديني أو ثقافي عام، وهو ما يمنحها غطاءً يسمح باستمرار النشاط المتشدد بعيدا عن الرصد السريع، بحسب الدراسة.
في سبتمبر 2025، حذّرت أجهزة أمنية أميركية من المخاطر المتزايدة التي يتعرض لها المراهقون والشباب على ديسكورد.
ووفقا لتقرير نشرته
إن بي سي نيوز، أصدرت وكالات أميركية تحذيرات من تعرّض الشباب الأميركي لخطر التطرف عبر هذه المنصة. واستند التقرير إلى وثيقتين استخباريتين غير مصنفتين صادرتين عن وزارة الأمن الداخلي ومركز تحليل الإرهاب والجرائم في ولاية أوهايو، تم توزيعهما على أجهزة الشرطة.
ووفقا لوثيقة صادرة عن مكتب الاستخبارات والتحليل في وزارة الأمن الداخلي الأميركية بتاريخ 21 يناير، فإن "النقاشات المحددة أو التخطيط الطموح" غالبا ما يجري على ديسكورد، حيث يبلغ متوسط أعمار المشاركين، عندما يمكن تحديدها، نحو 15 عاما.
هذا المعطى يعزز، بحسب التقرير، القلق من استهداف القاصرين وجيل زد في مراحل مبكرة من تشكّل وعيهم السياسي والديني.
ويشير
معهد الحوار الاستراتيجي البريطاني إلى أنّ خطاب التطرف على ديسكورد لا يُطرح بصيغته الدعوية المعهودة، بل يُعاد إنتاجه من خلال أدوات مستمدة من ثقافة الألعاب والإنترنت، مثل السخرية والميمز والرموز البصرية.
ووفقاً للمعهد، تُستخدم هذه الأدوات لتطبيع أفكار مثل تفوّق "الجماعة المؤمنة" على بقية المجتمع، مع تقديم هذه التصورات في قالب يبدو "خفيفا" أو ساخرا، ما يخفف من حدّتها الظاهرة ويزيد قابليتها للانتشار بين الشباب.
يخلق هذا الأسلوب، بحسب التقرير، حالة التباس متعمّدة بين الجدية والمزاح، إذ يصعب في كثير من الأحيان التمييز بين من يتبنّى هذه الأفكار بوصفها مشروعا سياسيا متكاملا، ومن ينجذب إليها بوصفها شكلا من أشكال التمرّد الرمزي أو الجاذبية الجمالية. غير أن النتيجة النهائية، وفقا للتحليل، تتمثل في ترسيخ رؤية شمولية للعالم تتعارض مع التعددية والتسامح وحقوق الإنسان.
في هذا السياق، يشكّل خطاب الكراهية أداة مركزية في بناء الهوية الجماعية داخل هذه الخوادم. ووفقا لمعهد الحوار الاستراتيجي، تتشارك خوادم المتطرفين في عداء واضح تجاه فئات تُصنَّف باعتبارها "خارجية"، من بينها الحركات النسوية والعلمانية والليبيرالية.
أما على مستوى العنف، فيلفت معهد الحوار الاستراتيجي إلى أن خوادم التطرف شهدت انتشارا واسعا لخطاب عنيف ضمني، شمل تمني القتل أو العقاب الجسدي بحق فئات معينة، إضافة إلى تمجيد جماعات مسلحة مثل القاعدة وحماس، من خلال مقاطع وميمز ومواد دعائية معاد تدويرها.
في مقابل ديسكورد، التي تُستخدم لبناء القناعات داخل دوائر شبه مغلقة، تلعب تيك توك دور الواجهة المفتوحة في استراتيجية الإخوان الرقمية.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة
العرب في يناير 2026، تشهد المنصة تمددا ملحوظا لمحتوى مرتبط بتنظيم الإخوان يستهدف جيل زد، فيما يُعرف في السياق الأوروبي بـ"إسلاموية تيك توك". يعتمد هذا النمط على مقاطع قصيرة وسريعة الإيقاع، تقدم بلغة شبابية وتوظّف الموسيقى الرائجة والسرديات الشخصية.
ووفقا للتقرير الصحفي، لا تُطرح الرسائل الأيديولوجية على تيك توك بشكل مباشر، بل تغلف بقضايا الهوية، والاغتراب، والبحث عن المعنى، وتقديم الجماعة بوصفها إطارا أخلاقيا وروحيا قادرا على ملء الفراغ الوجودي لدى الشباب.
هذا الأسلوب يجعل المحتوى أكثر قابلية للانتشار والتفاعل، خصوصا بين مستخدمين لا يملكون أي ارتباط سابق بالتنظيمات متشددة.
هذه التحولات تتقاطع مع تحليلات أكاديمية أوسع حول التعبئة الأيديولوجية في العصر الرقمي. ووفقا لدراسات صادرة عن
المعهد الألماني للتنمية والاستدامة، فإن الحركات العابرة للحدود باتت تنظر إلى الإعلام الرقمي بوصفه فضاءً لإعادة إنتاج ذاتها، لا مجرد وسيلة دعائية.
في هذا الإطار، يظهر نشاط الإخوان على ديسكورد وتيك توك كجزء من عملية تفكيك الخطاب التقليدي وإعادة تركيبه بما يتلاءم مع الخوارزميات وأنماط الاستهلاك السريع.