سياسة

"انتفاضة الريال".. صمود المرشد وسيناريوهات تدخل ترامب

نشر
Reuters
 & 
لا تلوح حتى الآن أي مؤشرات على حدوث انقسام داخل النخبة الأمنية في إيران قد يؤدي إلى إنهاء أحد أكثر الأنظمة صمودا في العالم، على الرغم من الاحتجاجات التي تعم أنحاء البلاد وما تتعرض له من ضغوط خارجية منذ سنوات.
ومما يزيد الضغط على الحكام الدينيين في إيران، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدد مرارا بعمل عسكري ردا على حملة القمع التي تشنها طهران على الاحتجاجات، والتي جاءت في أعقاب حملة قصف إسرائيلية وأميركية العام الماضي استهدفت البرنامج النووي الإيراني ومسؤولين كبارا.
وقال مسؤول في البيت الأبيض ردا على سؤال لرويترز إن "جميع الخيارات" متاحة أمام ترامب لمعالجة الوضع في إيران.
وقال دبلوماسيان ومصدران حكوميان في الشرق الأوسط ومحللان لرويترز إنه ما لم تتمكن الاحتجاجات في الشوارع والضغوط الخارجية من إحداث انشقاقات في السلطة، فمن المرجح أن يصمد النظام رغم ضعفه.
وذكر مسؤول إيراني لرويترز أن نحو ألفي شخص قتلوا في الاحتجاجات محملا "إرهابيين" مسؤولية مقتل مدنيين وعناصر أمنية.
بالمقابل، ذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) التي يقع مقرها في الولايات المتحدة اليوم الأربعاء أن عدد قتلى الاحتجاجات في إيران بلغ 2571 شخصا.

المطلوب انقسام داخلي؟

وقال فالي نصر، وهو أكاديمي إيراني أميركي وخبير في النزاعات الإقليمية والسياسة الخارجية الأميركية، إن البنية الأمنية متعددة المستويات في إيران تجعل من الصعب للغاية فرض أي ضغط خارجي ما لم يحدث انقسام داخلي.
وترتكز هذه البنية الأمنية على الحرس الثوري وقوات الباسيج شبه العسكرية، والتي يبلغ عددها مجتمعة ما يقرب من مليون شخص.
وأضاف نصر "لكي تنجح مثل هذه الأمور، يجب أن تبقى حشود غفيرة في الشوارع لفترة أطول بكثير. ويجب أن يحدث تفكك للدولة وانشقاق بعض القطاعات وخاصة قوات الأمن".
وأحجمت وزارة الخارجية الإيرانية عن التعليق.

خامس "انتفاضة" منذ 2009

نجا المرشد الإيراني علي خامنئي، 86 عاما، من عدة موجات سابقة من الاحتجاجات. وقال بول سالم من معهد الشرق الأوسط إن هذه هي خامس انتفاضة كبيرة منذ 2009، مما يعد دليلا على الصمود والتماسك حتى في ظل مواجهة الحكومة أزمة داخلية عميقة لم تُحل بعد.
وقال آلان آير، وهو دبلوماسي أميركي سابق وخبير في الشأن الإيراني، إنه لكي يتغير الوضع يجب أن يتمكن المحتجون من اكتساب قوة دافعة أكبر لتجاوز مزايا الدولة الراسخة المتمثلة في مؤسسات قوية، وقاعدة جماهيرية كبيرة موالية لحكم رجال الدين، والنطاق الجغرافي والتركيبة السكانية لبلد يبلغ عدد سكانه 90 مليون نسمة.
ويرى محللون أن البقاء لا يعني الاستقرار. فطهران تواجه أحد أخطر التحديات منذ 1979.
فقد خنقت العقوبات الاقتصاد دون وجود مسار واضح للتعافي. أما من الناحية الاستراتيجية، فهي تتعرض لضغوط من إسرائيل والولايات المتحدة، وتضرر برنامجها النووي، فيما اعترى الضعف الجماعات المسلحة الموالية لها في "محور المقاومة" في لبنان وسوريا وغزة بسبب ما تعرضت له من خسائر فادحة.
وقال نصر إنه لا يعتقد أن السلطة وصلت إلى "لحظة السقوط"، لكنها "تواجه الآن وضعا بالغ الصعوبة في المرحلة المقبلة".

حملة قمع قد تقضي على ما تبقى من شرعية النظام

بدأت الاحتجاجات في 28 ديسمبر بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن تتحول مباشرة ضد حكم رجال الدين.
ومن الناحية السياسية، أدت حملة القمع العنيفة إلى تآكل ما تبقى من شرعية النظام.

ترامب يدرس الخيارات

يقول محللون إن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة عن غيرها ويزيد من حدة التوتر تحذيرات ترامب الصريحة من أن قتل المتظاهرين قد يؤدي إلى تدخل أميركي.
وحث ترامب المحتجين الإيرانيين الثلاثاء على السيطرة على المؤسسات وقال إن "المساعدة في الطريق"، بينما أعلن إلغاء اجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين.
وكان ترامب هدد الإثنين بفرض رسوم جمركية على الدول التي تتعامل تجاريا مع إيران، والصين هي الشريك التجاري الأكبر لطهران.
وقال مصدر إسرائيلي حضر مكالمة هاتفية بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت، إن الجانبين ناقشا إمكان التدخل الأميركي في إيران.
وذكر أن المحللين يرجحون أن الدافع وراء اهتمام ترامب بالاحتجاجات تكتيكي وليس فكري. وأضاف أن الهدف قد يكون إضعاف النظام بما يكفي لانتزاع تنازلات مثل فرض قيود على برنامج طهران النووي.

"النموذج الفنزويلي"

وقال دبلوماسي وثلاثة محللين إن فكرة "النموذج الفنزويلي" تكتسب رواجا متزايدا في بعض الأوساط بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وأضافوا أن هذا النموذج ينطوي على إزاحة السلطة العليا في إيران مع توجيه رسالة إلى أجهزة الدولة المتبقية: البقاء في مواقعها شريطة التعاون.
إلا أن تطبيق هذا النموذج في إيران يصطدم بعقبات هائلة تتمثل في دولة أمنية راسخة منذ عقود وتماسك مؤسسي عميق وبلد شاسع المساحة ومتعدد الأعراق.
وقال مسؤولان بالمنطقة ومحللان لرويترز إن العمل العسكري الأجنبي قد يؤدي إلى انقسام إيران على أسس عرقية وطائفية، لا سيما في مناطق الأكراد والبلوش السنّة التي لها تاريخ طويل في المقاومة.
وفي الوقت الراهن، لا تزال القيود قائمة. فالموارد العسكرية الأميركية منشورة في أماكن أخرى، غير أن الدبلوماسيين أشاروا إلى إمكانية تغيير مواقع الانتشار بسرعة.
وقال ديفيد ماكوفسكي من معهد واشنطن، وهو مركز بحثي، إنه إذا تحرك ترامب، فإنه يتوقع إجراء سريعا وذا تأثير كبير لا حملة مطولة، وهو ما يتماشى مع ما يفضله الرئيس في النزاعات في الآونة الأخيرة باتخاذ خطوة حاسمة واحدة بدلا من نشر قوات برية.
وأضاف "إنه يبحث عن ذلك التحرك الذي قد يغير مجرى الأمور، ولكن ما هو؟".
ويقول إنه تتنوع الخيارات بين الضغط البحري على شحنات النفط الإيرانية والضربات العسكرية أو الإلكترونية الموجهة، وكلها تنطوي على مخاطر كبيرة.
وأشارت جميع المصادر إلى أن بعض الإجراءات قد لا تصل إلى حد استخدام القوة، مثل إعادة خدمة الإنترنت عبر ستارلينك لمساعدة المتظاهرين على التواصل.
وقال ماكوفسكي من معهد واشنطن "يستخدم ترامب التهديدات أحيانا لتأخير القرارات، وأحيانا لردع الخصوم، وأحيانا للإشارة إلى أنه يستعد بالفعل للتدخل. لكننا لا نعرف حتى الآن ما الذي ينطبق هنا".

ما حجم التدخل المطلوب؟

في يونيو، أمر ترامب بشن غارات على مواقع نووية إيرانية دعما للحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، مع أنه قال سابقا إنه يحبذ الحل الدبلوماسي.
لكن الهجوم يتماشى مع ميله، كما رأينا مؤخرا في فنزويلا، إلى شن عمليات عسكرية منفردة يتعجل في تأكيد نجاحها.
أشار والي نصر، الأستاذ في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة لفرانس برس، إلى أن ما بين 130 و150 مدينة إيرانية شهدت احتجاجات. وقال نصر "إن محاولة استهداف قوات الأمن في كل هذه المدن، أو حتى في المدن الرئيسية في إيران، تتجاوز مجرد بضع غارات جوية".
وأضاف نصر أن ترامب على الأرجح "لا يرغب في التورط في أعمال عسكرية مباشرة، لذا قد يكون من الأنسب له شنّ ضربة استعراضية".
وقال بهنام بن طالبلو، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن "التحدي يكمن في كيفية ضمان ألا تؤدي هذه الضربات إلى تفريق المتظاهرين بدلا من تصعيد الاحتجاجات، في حال انحرفت الضربات عن مسارها إذا كان الاستهداف ضعيفا، أو إذا كانت المعلومات الاستخباراتية غير دقيقة".
وأكد أن التأثير سيكون كبيرا أيضا إذا قرر ترامب في نهاية المطاف عدم شنّ الضربة، فالتقاعس عن ذلك في رأيه "سيصب في مصلحة رواية النظام التي تصور أميركا على أنها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها".

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة