من غزة إلى العالم.. هل يتحول مجلس السلام إلى بديل للأمم المتحدة؟
تزامنا مع دخول المرحلة الثانية من خطة غزة، أطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مبادرة "مجلس السلام"، التي تحولت سريعا من هيئة مخصصة لإعادة إعمار القطاع إلى مشروع بديل للنظام متعدد الأطراف الذي تقوده الأمم المتحدة.
تكشف الوثائق الدولية التي تداولتها الصحافة العالمية أن المبادرة لم تعد محصورة بغزة، بل باتت تحمل ملامح مؤسسة دولية موازية يتولى ترامب نفسه رئاستها بسلطات شبه مطلقة، ما أثار مخاوف من أن تكون واشنطن بصدد تحدي شرعية مجلس الأمن وتقويض بنية القانون الدولي.
من هيئة لإعمار غزة إلى منظمة دولية بديلة
تشير صحيفة
لوموند إلى أن "مجلس السلام" أُقر في الأصل تحت تفويض من مجلس الأمن لدعم الإدارة الفلسطينية في غزة حتى عام 2027، لكنه تحول في مسودته النهائية إلى هيئة مكلفة بـ"تعزيز الاستقرار واستعادة الحوكمة الشرعية وتأمين السلام في مناطق مهددة بالنزاع".
وتؤكد الصحيفة أن النص المسرب لم يعد يذكر غزة إطلاقا، بل يقدّم نفسه كمنظمة عالمية تحلّ محلّ المؤسسات الأممية، من دون حق الفيتو ومن دون ذكر لميثاق الأمم المتحدة.
تؤكد شبكة
أي بي سي نيوز هذا التطور بحيث كشفت أن ترامب فرض رسوما تصل إلى مليار دولار مقابل العضوية الدائمة، مع احتفاظه بسلطة نقض أي قرار، ورئاسته للمجلس بصفته الشخصية وليس بصفته رئيسا للولايات المتحدة.
ويشير تقرير
International Crisis Group إلى أن التركيبة المقترحة "تتجاوز صلاحيات مجلس الأمن" وتمثل محاولة للالتفاف على النظام القانوني الدولي، إذ يمنح ترامب لنفسه سلطة تعيين وإقالة الأعضاء، وتشكيل هيئات فرعية، وفرض رؤية أميركية أحادية على ملفات النزاعات، ما يجعل المجلس مشروعا يزاحم صلاحيات الأمم المتحدة بشكل مباشر.
تهميش مجلس الأمن وتكريس قيادة أحادية
تكشف صحيفة
وول ستريت جورنال أن ترامب وسع مجلس السلام ليصبح هيئة لحل النزاعات حول العالم، في خطوة "تأخذ مكان الدور التقليدي للأمم المتحدة".
وتشير الصحيفة إلى أن الهيكلية الجديدة تمنح ترامب سلطات تنفيذية وتشريعية كاملة داخل المؤسسة، بما في ذلك حق إنشاء كيانات جديدة وفرض أجندته على الدول الأعضاء، ما يجعل المجلس مؤسسة تُدار انطلاقا من واشنطن وحدها.
وتضيف الصحيفة أن المبادرة تأتي بالتوازي مع انسحاب الولايات المتحدة من 31 وكالة أممية، ما يعزز فرضية أن "مجلس السلام" ليس جزءا من النظام الأممي بل بديلا عنه.
كما أبدت دول أوروبية، حسب لوموند، خشيتها من أن الغاية الحقيقية هي "إضعاف الأمم المتحدة" وليس تعزيز السلام، خاصة بعد فشل ترامب في جذب سوى عدد محدود من الدول، بينها المجر والأرجنتين وبيلاروسيا، فيما رفضت دول كبرى مثل فرنسا المشاركة بسبب غموض الدور وتضارب الصلاحيات.
وتشير
أي بي سي نيوز إلى خشية خبراء أمميين من أن المجلس يعمل "خارج إطار القانون الدولي"، وأن قدرة ترامب على نقض القرارات منفردا تنسف مبدأ الشرعية الدولية، الذي يقوم على توزيع السلطة بين الدول، وليس تركيزها في يد رئيس دولة واحدة.
ردود الفعل الدولية.. ارتباك وخشية من تقويض النظام متعدد الأطراف
تكشف التقارير أن مبادرة "مجلس السلام" لم تُواجَه فقط بالشكوك، بل أثارت ارتباكا لدى الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، إلى جانب انقسام واضح بين الدول المدعوة.
تشير صحيفة لوموند إلى أن أقل من ١٠ دول استجابت إيجابا للدعوة، بينما فضلت غالبية الدول الصمت أو "الرفض المهذّب"، ومن بينها كندا، التي قالت إنها "لن تدفع مقابل مقعد". كما أكدت فرنسا أنها "لا تنوي الانضمام في هذه المرحلة"، وهو موقف من دولة عضو دائم في مجلس الأمن يعكس كما قالت الصحيفة "شكوكا أوروبية جدية في نوايا ترامب".
وتضيف
وول ستريت جورنال أن بعض الحلفاء، مثل بريطانيا، ما زالوا "يدرسون الشروط" وسط قلق من حجم السلطة الممنوحة لترامب داخل المجلس، حيث يمتلك حق الفيتو وإمكانية إنشاء كيانات جديدة من دون موافقة الدول الأعضاء.
كما أبدت إسرائيل نفسها اعتراضا على التشكيلة التنفيذية للمجلس. هذا الرفض يظهر أن المجلس لا يثير فقط حساسية دول رافضة لنهج ترامب، بل يضع أيضا واشنطن في مواجهة شركائها التقليديين، ما يعمّق الانطباع بأن المجلس يُدار كمنصة أحادية لا تراعي التوازنات الإقليمية والدولية.
وتشير International Crisis Group إلى إمكانية انقلاب الخطوة على واشنطن نفسها داخل الأمم المتحدة. فالمجموعة تحذّر من أن محاولات ترامب "لبناء مؤسسة موازية" قد تضعف قدرة الولايات المتحدة على انتزاع تنازلات داخل المنظمة الدولية، لأن عددا من المكاسب الأميركية في العام الماضي جاء عبر "مساومات مع الصين وروسيا"، وهي دول قد ترى في المجلس الجديد سببا لإعادة حساباتها أو تقليص تعاونها داخل مجلس الأمن.