لندن تُغازل بكين.. هل تدفع ثمن غضب ترامب؟
وجّه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، انتقاداً مبطناً للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين، في محاولة لإعادة ضبط العلاقات مع الصين بشكل جذري.
ووفقاً لبيان صادر عن ماو نينغ، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، قال شي لستارمر خلال اجتماعهما إن "النزعة الأحادية والحمائية وسياسات القوة، متفشية".
وقال شي، نقلا عن ماو: "إن النظام الدولي يتعرض لضغوط كبيرة، ولن يكون للقانون الدولي أي تأثير حقيقي إلا عندما تلتزم به جميع الدول. وينبغي على الدول الكبرى على وجه الخصوص أن تكون قدوة، وإلا فإن العالم سيعود إلى قانون الغاب"، بحسب
تقرير لصحيفة "نيوزويك".
بدوره دافع ستارمر، الجمعة، عن زيارته للصين باعتبارها وسيلة لإعادة "بناء الثقة" المتبادلة وتعزيز العلاقات التجارية مع بكين، فيما حذر ترامب من تقارب "خطير جدا".
ورفض ستارمر فكرة أن المملكة المتحدة يجب أن تختار بين الولايات المتحدة والصين، ودعا كلا الزعيمين إلى "شراكة استراتيجية شاملة" بين لندن وبكين.
وكما عند زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مؤخرا إلى الصين، أثار هذا التقارب بين لندن وبكين استياء ترامب في ظلّ المنافسة المتصاعدة بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.
فماذا من منفعة للطرفين الصيني والبريطاني من هذا التقارب؟
ستارمر: محادثات ودّية جدّا
أشاد ستارمر متحدثا إلى أوساط الأعمال الصينية والبريطانية في بنك الصين، بمحادثات "ودّية جدّا وجيدة جدّا" أجراها مع الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الخميس.
وأكّد أنّ هذه المحادثات أتاحت "إحراز تقدم حقيقي" مضيفا "هكذا نبني الثقة المتبادلة والاحترام البالغ الأهمية".
والواقع أن ستارمر الذي يزور، الجمعة، شنغهاي قبل التوجه إلى اليابان، لا يغادر الصين بحزمة من العقود الكبرى والإعلانات المدوية، بل حصل على بعض المبادرات من بكين مثل خفض الرسوم الجمركية على صادرات الويسكي واتفاق للتعاون في مجال مكافحة الهجرة ما زال ينبغي التثبت من مداه الفعلي.
حلفاء واشنطن ينقلبون عليها؟
وفق
صحيفة "نيوزويك"، فإنّ حلفاء واشنطن التقليديين والذين يشككون في موثوقية شراكاتهم المستقبلية مع الولايات المتحدة، استجابوا جزئيا بالسعي إلى ترميم وتعميق العلاقات مع الصين، منافس أميركا القوي.
وتُعدّ المملكة المتحدة أحدث دولة في سلسلة زيارات قام بها حلفاء الولايات المتحدة إلى بكين، بما في ذلك كندا وفرنسا. كما أكّد الاتحاد الأوروبي على ضرورة بناء علاقات أوثق مع الصين.
تُعتبر الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ولطالما نُظر إليها على أنّها "مصنع العالم" نظرا لقطاعها الصناعي الضخم المُوجّه للتصدير. إلّا أن صعودها الاقتصادي ونمو طبقتها الوسطى بوتيرة متسارعة يُتيحان أيضا فرصة مُربحة للمُصدّرين الغربيين الباحثين عن الطلب، بحسب الصحيفة.
خلال حضوره العرض الافتتاحي لفيلم وثائقي عن زوجته ميلانيا، قال ترامب للصحافيين، الخميس، عندما سئل عن تعليقه حيال دخول بريطانيا في "علاقات تجارية" مع الصين: "إنه أمر خطير جدا بالنسبة لهم أن يفعلوا ذلك".
لكن ترامب أضاف بعد تعليقه بشأن بريطانيا، "الأمر الأكثر خطورة باعتقادي دخول كندا في علاقات تجارية مع الصين. وضع كندا ليس جيدا، بل تعاني من وضع سيئ للغاية، ولا يمكن اعتبار الصين هي الحلّ".
وستارمر أول رئيس وزراء بريطاني يزور الصين منذ عام 2018، وثالث مسؤول غربي كبير تستقبله بكين مؤخرا بعد رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون.
وشدد رئيس الوزراء البريطاني في الطائرة التي كانت تقله إلى الصين على أنّ "علاقتنا مع الولايات المتحدة من أوثق العلاقات التي نقيمها، ولا سيما على صعيد الدفاع والأمن والاستخبارات".
لكنه اعتبر أن "لا جدوى" لبريطانيا من تجاهل بكين، رغم الانتقادات الداخلية التي تأخذ عليه إستراتيجية التقارب هذه.
اتفاقيات وبنود غير واضحة المعالم
خلال محادثات ستارمر، منحت بكين المملكة المتحدة إعفاء من تأشيرة الدخول للبريطانيين الذين يزورون الصين لأقل من 30 يوما، وهو ما اعتبرته لندن وسيلة لتسهيل وصول رجال الأعمال البريطانيين إلى الفرص الاقتصادية المتاحة في السوق الصينية.
وتمّ التوقيع بالإجمال على نحو ١٠ اتفاقيات تعاون لا تزال بنودها غير واضحة، واتفقت الحكومتان على القيام بـ"دراسة جدوى لتقصي إمكانية بدء مفاوضات محتملة حول اتفاق ثنائي في قطاع الخدمات".
كما أعلنت شركة "أسترازينيكا" البريطانية العملاقة للأدوية أنها تنوي استثمار 15 مليار دولار في الصين بحلول 2030.
لكن هدف ستارمر الجوهري من هذه الزيارة كان البحث عن محركات لدعم الاقتصاد البريطاني المنهك جراء تبعات بريكست والخلافات التجارية المتصاعدة في العالم.
فبعد سنوات من العلاقات المتوترة في عهد أسلافه المحافظين وفي ظل تشديد الصين سياستها في هونغ كونغ والاتهامات المتبادلة بين البلدين بالتجسس، يسعى ستارمر منذ توليه السلطة عام 2024 لتحريك العلاقات مع بكين، ثالث شريك تجاري للندن.
وهذا ما دفع رئيس الوزراء إلى القيام بهذه الزيارة بحسب مكتبه الذي أبدى انفتاحا كذلك على زيارة لشي جين بينغ إلى المملكة المتحدة في المستقبل.
ولم يغلق المتحدث باسم ستارمر الباب لمثل هذه الزيارة ردا على أسئلة الصحافيين، مؤكدا أن "إعادة إطلاق العلاقات مع الصين.. أمر مفيد للشعب البريطاني وللشركات البريطانية".