"تطهير" قيادة الجيش في الصين.. كيف تعيد بكين ضبط هرمها العسكري؟
تشهد الصين موجة تطهير غير مسبوقة في قمة هرمها العسكري، بعد إقالة ووضع عدد من كبار الجنرالات تحت التحقيق بقرارات من الرئيس شي جينبينغ، في خطوة وصفت بأنها الأوسع منذ عقود داخل جيش التحرير الشعبي.
وتشير المعطيات الواردة في وسائل الإعلام الغربية إلى أن الحملة لا تقتصر على مكافحة الفساد، بل تمتد إلى إعادة ضبط الولاء السياسي والجاهزية العملياتية، مع انعكاسات محتملة على السياسة الداخلية الصينية وقدرة بكين على التحرك العسكري خارجيا، خاصة تجاه تايوان.
القادة الذين طالتهم الإقالات والتحقيقات
بحسب
نيويورك تايمز، تشمل أبرز الأسماء التي أُقيلت أو وُضعت تحت التحقيق الجنرال تشانغ يوشيا، الذي كان يُعد أعلى ضابط عسكري بعد شي جينبينغ ونائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، وكذلك الجنرال ليو تشن لي، رئيس هيئة الأركان المشتركة والمسؤول عن التنسيق العملياتي.
وأوضحت الصحيفة أن إقصاء هذين الإسمين أزال من قمة اللجنة العسكرية المركزية أهم قائدين مسؤولين عن التحضير القتالي وإدارة العمليات.
وتذكر
إل باييس الإسبانية أن تشانغ يوشيا كان يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أقرب حلفاء شي داخل المؤسسة العسكرية، وأن علاقتهما تعود إلى خلفية عائلية وثورية مشتركة، حيث ينتمي الإثنان إلى جيل "الأمراء الحمر". كما كان تشانغ، إلى جانب ليو تشن لي، من القلائل في القيادة العليا الذين يمتلكون خبرة قتالية مباشرة بعد مشاركتهما في حرب الصين ضد فيتنام أواخر السبعينيات.
كما تشير نيويورك تايمز إلى أن حملة التطهير منذ 2023 أطاحت أيضا بعدد كبير من قادة الإدارات العسكرية المتخصصة وقيادات المسارح القتالية، إضافة إلى مسؤولين كبار في قوة الصواريخ والبحرية. وأوضحت الصحيفة أنه من بين نحو 30 جنرالا وأميرالا بارزا في بداية 2023، لم يبق في مناصبهم سوى ٧ فقط.
وتضيف الصحيفة أن الجنرال البارز الوحيد الذي ما زال في اللجنة العسكرية المركزية هو تشانغ شنغمين، المسؤول عن التفتيش والانضباط السياسي، والذي قاد حملات مكافحة الفساد داخل الجيش، وتمت ترقيته إلى نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية.
كما تشير إل باييس إلى أن حملات الإقالة السابقة خلال العامين الماضيين شملت أيضا وزيري دفاع صينيين.
دلالات داخلية.. قبضة سياسية وفجوة قيادية
تفيد نيويورك تايمز بأن شي جينبينغ كان قد أعاد تشكيل القيادة العسكرية العليا في 2023 بما يتوافق مع رؤيته لبناء جيش "عالمي المستوى" قائم على الولاء الشخصي والانضباط. لكن المفارقة، بحسب الصحيفة، أن معظم من اختارهم بنفسه جرى إقصاؤهم لاحقا في إطار الحملة نفسها، ما يعكس مستوى استثنائيا من التركيز على الطاعة السياسية.
وترى إل باييس أن ما يحدث يمثل مرحلة جديدة من تطهير النخبة، حيث انتقلت الحملة من استهداف الخصوم إلى الشركاء ثم إلى المقربين. ونقلت عن جون تزين، المسؤول السابق في سي آي إيه وخبير في شؤون الصين أن ما يجري يعكس صراعا عميقا في أوساط النخبة الصينية.
وتشير التقارير إلى أن إقصاء تشانغ يوشيا وليو تشن لي ترك اللجنة العسكرية المركزية بعدد محدود جدا من الأعضاء الفاعلين، ما خلق فراغا في قمة القيادة العملياتية. ووصفت نيويورك تايمز ذلك بأنه فجوة قيادية في ثاني أقوى جيش في العالم. كما نقلت أن الصحيفة الرسمية للجيش أقرت بأن الإقالات تسبب "صعوبات" لكنها دعت العسكريين إلى الالتفاف حول شي.
وتبرز إل باييس أيضا أن التحقيقات تجري في مناخ شديد الغموض، مع غياب أي تفاصيل رسمية حول التهم، وخضوع النقاش العام داخل الصين للرقابة، ما يدفع المحللين في الخارج إلى الاعتماد على قراءة الإشارات غير المباشرة لفهم ما يجري داخل المؤسسة العسكرية والحزب.
الانعكاسات الخارجية.. تايوان وإسقاط القوة
على الصعيد الخارجي، تربط تحليلات بين الإقالات وبين ملف الجاهزية العسكرية تجاه تايوان. وتنقل إل باييس عن الباحث ك. تريستان تانغ أن سبب الإطاحة ببعض القادة قد يكون عدم تحقيق نتائج كافية في تحديث القوات والاستعداد للحرب، بما لا يلبّي توجيه شي بأن يكون الجيش قادرا على تنفيذ عملية ضد تايوان بحلول 2027، وهو الموعد الذي تتداوله تقديرات استخباراتية أميركية.
كما تنقل الصحيفة عن الباحث الفرنسي فرانسوا غودمان أن مناخ الخوف والتحقيقات داخل سلك الضباط، إضافة إلى اتهامات الحزب الشيوعي بوجود فساد وتباين أيديولوجي داخله، لا يشكل بيئة مناسبة لشن هجوم كبير في المدى القريب، ما قد يؤجل أي تحرك مباشر تجاه تايوان.
وتحذر تحليلات أخرى أوردتها إل باييس من أن استبعاد قادة ذوي خبرة قتالية واستقلال نسبي في الرأي قد يؤدي إلى إضعاف جودة المشورة العسكرية المقدمة للقيادة السياسية، واستبدالها بدائرة أكثر ميلا للموافقة وإرضاء القيادة.
وفي المقابل، ترى نيويورك تايمز أن شي يسعى في النهاية إلى إعادة بناء طبقة جديدة من الجنرالات الموثوقين، تضمن له ولاء سياسيا كاملا قبل دخوله مرحلة السعي لولاية حزبية جديدة بعد 2027.
وبينما تؤكد الرواية الرسمية الصينية أن النتيجة النهائية ستكون جيشا أكثر انضباطا وقوة، تشير معطيات أخرى إلى أن الطريق إلى ذلك يمر حاليا بمرحلة اضطراب قيادي عميق قد يترك بصمته على حسابات الصين العسكرية والإستراتيجية خارج حدودها.