خنق الوقود يهزّ كوبا.. هل ينجح رهان ترامب أخيراً؟
نشرت صحيفة
التايمز البريطانية تقريرا يرسم صورة قاتمة للوضع في كوبا، حيث أدّى تشديد إدارة ترامب للضغط عبر خنق إمدادات الوقود إلى انقطاع واسع للكهرباء، وشلل في النقل، وإلغاء رحلات جوية، وتوقف شبه كامل لمفاصل الاقتصاد.
ويلمح التقرير إلى رهان أميركي معلن بأنّ هذه اللحظة قد تكون الأقرب منذ عقود لإسقاط النظام الشيوعي في الجزيرة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا صمد النظام رغم محاولات 13 رئيسا أميركيا سابقا، وهل يملك ترامب أدوات مختلفة فعلا هذه المرة؟
استراتيجية الخنق النفطي.. أقسى ضغط منذ عقود
توضح
التايمز أن ركيزة الضغط الجديدة تقوم على استهداف نقطة الضعف الأخطر، وهي الطاقة. بعد إيقاف تدفق النفط الفنزويلي الذي كان يغطي جزءا كبيرا من احتياجات كوبا، وتهديد الدول الأخرى برسوم إذا صدّرت النفط إليها، دخلت البلاد مرحلة نقص حاد في الوقود، ما أدّى إلى توقف النقل العام والخاص، وإغلاق جامعات، وتعطل المطارات عن تزويد الطائرات بالوقود، وإجلاء سياح عالقين.
وتنقل الصحيفة أن واشنطن تراهن على أن الاختناق الطاقي قد يقود إلى انتفاضة اجتماعية أو انقسام داخل النخبة الحاكمة أو المؤسسة العسكرية. لكن التقرير نفسه يشير إلى أن كيفية تحوّل "حصار الوقود" إلى تغيير للنظام لم تشرحها الإدارة الأميركية عمليا.
تؤكد صحيفة
نيويورك تايمز بدورها أن خطوة قطع الوقود رفعت مستوى الضغط إلى حد غير مسبوق، لأن النفط يشغّل كل شيء في كوبا: من المواصلات إلى المصانع والمزارع، مشيرة إلى أن الإدارة تعتقد أن الاقتصاد بات قريبا من الانهيار.
رهان تغيير النظام.. خطة أميركية وعقبات كوبية
بحسب تحقيق حصري لصحيفة
وول ستريت جورنال، تعمل إدارة ترامب بشكل نشط على البحث عن شخصيات من داخل النظام الكوبي يمكن أن تساعد في التوصل إلى صفقة تُنهي الحكم الشيوعي قبل نهاية العام.
يفيد التقرير بأن واشنطن استلهمت نموذج فنزويلا بعد الإطاحة بمادورو، وتحاول تكرار سيناريو "الاختراق من الداخل".
لكن الصحيفة نفسها تنقل عن مسؤولين وخبراء أن كوبا أصعب بكثير من فنزويلا لأن لها نظام حزبي واحد، معارضة ضعيفة ومشتتة، مجتمع مدني محدود، وأجهزة أمنية شديدة الانضباط.
كما أن النظام الكوبي أثبت قدرة طويلة على القمع والسيطرة، ولم يواجه سوى احتجاجات واسعة مرتين خلال عقود، آخرها في 2021 وتم احتواؤها بعنف.
يشدد مركز
تشاتام هاوس البحثي على أن كوبا ليست فنزويلا. لا ثروة نفطية ضخمة تغري بصفقة كبرى، ولا معارضة منظمة جاهزة للحكم، بينما يسيطر الجيش على قطاعات اقتصادية استراتيجية، ما يعزز تماسك النخبة.
كما يذكّر بأن الحصار الأميركي منصوص عليه في قوانين صادرة عن الكونغرس، ولا يمكن رفعه بقرار رئاسي فقط، بل يتطلب تحقيق شروط سياسية محددة داخل كوبا، مثل إطلاق السجناء السياسيين وفتح المجال للتعددية. لذلك فإن قدرة أي رئيس على تقديم حوافز كبيرة للنظام تبقى محدودة.
ويبرز تحليل نيويورك تايمز بُعدا تاريخيا مهما: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينات توقع كثيرون سقوط النظام، لكنه صمد. وينقل عن أكاديمي كوبي قوله إن رئيسا بعد رئيس في واشنطن "خسر الرهان" على انهياره.
هافانا ترفض التفاوض على النظام.. وتعرض تعاونا محدودا
في مقابلة حصرية مع
سي إن إن، أكد نائب وزير الخارجية الكوبي أن بلاده مستعدة لحوار "ذي معنى" مع الولايات المتحدة، لكن ليس حول تغيير النظام أو البنية الدستورية. وشبّه ذلك برفض واشنطن مناقشة نظامها السياسي مع دولة أخرى.
أقر المسؤول الكوبي بوجود تبادل رسائل على مستويات عليا، لكنه نفى وجود مفاوضات سياسية جوهرية، مشيرا إلى أن الحوار الممكن يقتصر على ملفات مثل مكافحة المخدرات والإرهاب والجرائم المالية والأمن الإقليمي.
تشير تقارير نيويورك تايمز والتايمز ووول ستريت جورنال إلى رسائل مزدوجة من هافانا: خطاب تحدٍ علني، مقابل قنوات اتصال غير معلنة، مع رفض واضح لأي تفاوض تحت الضغط أو التهديد. كما تُظهر استعدادا لإجراءات تقشفية داخلية، وتكثيف الاستعدادات الأمنية والعسكرية تحسباً لأي سيناريو تصعيد.
في المقابل، تحذر تحليلات تشاتام هاوس من أن لعبة الضغط المتبادل قد تقود إلى نتائج غير محسوبة، مثل اضطرابات واسعة أو موجة هجرة كبيرة أو حتى احتكاك أمني مباشر، وهو ما قد يجعل الحالة الكوبية أكثر تعقيداً وخطورة من الحالة الفنزويلية.