أمن‎

لماذا يصر الإسرائيليون على دخول ساحات الأقصى؟

نشر

.

Muhammad Shehada

ما أن طلعت شمس يوم الأحد على البلدة القديمة في القدس، حتى كان أحد أول الوافدين لساحة المسجد الأقصى على عجالة وبتسلل هو وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير.

التقط الصور سريعا وصرح بتفاخر "أنا سعيد بصعودي جبل الهيكل، المكان الأكثر أهمية لشعب إسرائيل. كل التهديدات من حماس لن تساعد، نحن المسيطرون هنا في القدس وكل أرض إسرائيل".

ما أن رحل الوزير المدان بجرائم التحريض العنصري ودعم الإرهاب عن الحرم الشريف حتى انهالت الإدانات من الأقطار العربية والدولية بما في ذلك الإمارات ومصر والأردن والسعودية وقطر وتركيا، وحتى الولايات المتحدة الأميركية التي اعتبرت الزيارة "استفزازية" و"تحريضية".

حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يائير لابيد وصف بن غفير "بغير المسؤول والمتطرف" بسبب دخوله ساحة ثالث أقدس مسجد في الإسلام.

فلماذا يصر الإسرائيليون المتطرفون على دخول ساحات المسجد الأقصى؟ ولماذا يفجر ذلك غضب الفلسطينيين؟

اعرف أكثر

عن زيارة شارون

آخر رئيس وزراء إسرائيلي حاول اقتحام الحرم الشريف كان آرئيل شارون عام 2000. احتاج آنذاك للحماية من قبل نحو ألف رجل أمن أحاطوه من جميع الجوانب، فلم يستطع رؤية شيء من المسجد، لكن زيارته تلك أدت بشكل فوري لإشعال الانتفاضة الثانية التي قتل فيها حوالي 3354 فلسطيني خلال أقل من خمس سنوات بينما قتل 1010 إسرائيلي.

لذلك تعتبر أي استفزازات إسرائيلية في المسجد الأقصى فتيلاً لتفجير المواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد سارعت شتى الفصائل الفلسطينية لشجب اقتحام بن غفير والتهديد بعواقبه الوخيمة.

إصرار إسرائيلي

سُمح لغير المسلمين بزيارة الحرم القدسي في عام 1839، في ظل إصلاحات "التنظيمات" العثمانية بعد أن كان دخول المسجد مقصوراً على المسلمين فقط.

لكن تلك الزيارات كانت مشروطة بالحصول على تصريح خاص من الحاكم العثماني في المنطقة. تمكن قلة من اليهود المتنفذين والأثرياء في ذاك القرن كموسى مونتفيوري والبارون روتشيلد من الحصول على تصريح زيارة لساحة الحرم، لكنهم حملوا عن الأرض لكيلا تطأ أقدامهم المكان المقدس وتدنسه.

سبب ذلك هو أن الشريعة اليهودية القديمة تحرم دخول قدس الأقداس على أي يهودي سوى كبار الحاخامات وفقاً لمبدأ "توما وتهارا".

ويؤمن اليهود بأن أنقاض الهيكل الثاني هي تحت المسجد الأقصى، على الرغم من أنهم لم يتمكنوا بعد من تحديد موقع ذلك الهيكل. كبير حاخامات إسرائيل يتسحاق يوسف جدد هذا التحريم الذي حظر على اليهود زيارة أو الصلاة في ساحات الحرم الشريف ووضع اللافتات في الطريق للمسجد للتأكيد على ذلك الحظر لأسباب دينية وسياسية وأمنية.

لكن اليهود المتطرفين من التيار الصهيوني المتدين يحيدون عن هذه التعاليم ويجادلون بأن الصلاة في الحرم تعتبر "واجب ديني مقدس". وقد حاولوا مسبقاً إزالة اللافتات التي وضعها الحاخام الأكبر واستبدالها بلافتات أخرى تحرض على دخول ساحات المسجد.

أحد اتباع ذلك الرأي هو حاخام الجيش الإسرائيلي شموئيل جورين الذي سارع لاحتلال مبنى بجوار باب المغاربة عام 1967 وإقامة الصلوات التوراتية الجماعية فيه وحاول إقامة صلوات لجموع كبيرة في ساحات الحرم، ظناً منه بأن القيام بأعمال دراماتيكية في المسجد قد يسرع بخروج المسيح المخلص.

لكن الحكومة الإسرائيلية منعته عن ذلك خشية تفجير الأوضاع السياسية، وقام وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشي ديان بإقرار الوضع القائم التاريخي الذي يسمح للمسلمين بالصلاة وزيارة المسجد بينما يُسمح لغير المسلمين بالزيارة فقط دون الصلاة في أوقات محددة.

مدة الزيارة

أربع ساعات يومياً وخمسة أيام أسبوعياً هي المدة التي يسمح خلالها بزيارة ساحات المسجد لغير المسلمين. كان يسمح عام 2003 بدخول خمسة يهود فقط في كل فوج سياحي، ورفع العدد تدريجياً إلى أن وصل لخمسين يهودي في الفوج الواحد عام 2011.

الإسرائيليون الذين يقومون بالدخول لساحات الحرم في مخالفة لأوامر كبير الخامات لهم عادة هدفان. الأول ديني وهو إقامة الشعائر التوراتية ومحاولة ذبح القرابين والدعوة لبناء الهيكل مكان المسجد الأقصى. والثاني سياسي وقومي وهو إبراز السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على المدينة وأقدس أماكنها، حيث يقومون بنفخ الشوفار ورفع العلم الإسرائيلي والغناء كتعبير عن الانتصار وهزيمة الفلسطينيين ما يؤدي لاستفزاز مشاعر الفلسطينيين وإهانتهم.

سبب الغضب الفلسطيني

تأمل السيناريو التالي: الحرم الإبراهيمي في الخليل هو رابع أقدس بقعة للمسلمين وأقدم بناء مقدس في فلسطين. الحرم مبنى فوق غار مدفون فيه النبي إبراهيم وزوجته سارة وابنه إسحاق وحفيده يعقوب.

عام 1967، وصل حاخام الجيش الإسرائيلي جورين للحرم وأطلق النار من رشاش على الأبواب لفتحها ثم ربط الباب بمركبته العسكرية وخلعه، ودخل المسجد وأقام الصلوات التوراتية بداخله ورفع علم إسرائيل على مئذنته.

منذ ذلك الحين، تم تقسيم المسجد مكانياً بحيث أقيم كنيس يهودي بداخله، وزمانياً حيث أصبحت هناك 10 أيام معينة يمنع المسلمون من دخول المسجد تماماً.

وفي عام 1994 دخل المستوطن المتطرف باروخ جولدشتين المسجد وقت الصلاة وأطلق النار على المصلين المسلمين وقتل 29 منهم.

أدى هذا الهجوم لتقسيم الحكومة الإسرائيلية الحرم الإبراهيمي بشكل أكبر وإعطاء اليهود 60% من مساحته بما في ذلك منطقة قبور الأنبياء إبراهيم ويعقوب ويوسف، وإعطاء المسلمين الجزء الباقي من المسجد المعروف بالقاعة الإسحاقية، والفصل بين الجزئين ونصب كاميرات المراقبة في جميع أركان المسجد وتكثيف التواجد الأمني الإسرائيلي في المكان. ومع الانتفاضة الثانية، ازدادت القيود الإسرائيلية على الفلسطينيين في مدينة الخليل فأصبح هناك شوارع واسعة مخصصة للمستوطنين أو الأجانب وشوارع ضيقة رثة مليئة بالحواجز والجنود للفلسطينيين من سكان المدينة ما حول منطقة شارع الشهداء لمدينة أشباح.

الخوف يسيطر على الفلسطينيين بأن تقوم الحكومة الإسرائيلية بتطبيق نفس المعادلة في المسجد الأقصى وتقسيمه مكانياً وزمانياً كما في الحرم الإبراهيمي. لذلك يعتبر الفلسطينيون دخول الإسرائيليين لساحة المسجد اقتحاماً وتدنيساً لا زيارة ويسارعون لإدانة الامر في كل مرة لمعرفتهم بالتيارات الإسرائيلية النافذة التي تحاول باستمرار تغيير الوضع التاريخي والقانوني في الحرم الشريف.

وأصبح المسجد الأقصى رمزاً للقضية الفلسطينية وتعبيراً عن الصراع الدائر حول تهويد القدس والتضييق على سكانها الفلسطينيين. ويعتبر الفلسطينيون صمودهم في المسجد والبلدة القديمة في وجه الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية دليلاً على عدم انهزامهم وأن نضالهم ما زال حياً ومستمراً.

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة