أمن‎

الكبتاغون في العراق.. هل تحولت البلاد من معبر إلى مصنع؟

نشر

.

Muhammad Shehada

يسميه العراقيون "الإرهاب الناعم"، فهو يجتاح أوساط الشباب والمراهقين ويثنيهم عن الإنتاجية وينهك الموارد المالية للبلاد، بينما يبتكر مروجوه طرقاً مبتكرة لتهريبه وتوزيعه، سواء بالطائرات الشراعية بدائية الصنع، أو في البرتقال وعبوات الصلصة، أو في صفائح حديدية وسيارات مستوردة. ملايين حبوب الكبتاغون المخدر تعثر عليها السلطات بشكل دوري، ولكن هناك العديد من الأمور الغامضة وغير المكشوفة بعد.

العراق لطالما نُظِر إليه على أنه ضحية لحبوب الأمفيتامينات، حتى يوم الأحد الماضي، عندما أعلنت السلطات العراقية عن اكتشاف مصنع كامل لإنتاج تلك المادة شديدة الإدمان، وتمّ ضبط نحو مليوني حبة مخدرة في الوقت نفسه بحسب وكالة فرانس برس. وما زاد أهمية الخبر هو أن المصنع موجود في محافظة المثنى على الحدود مع الكويت والسعودية، حيث تعتبر الأخيرة هدفا لتجار المخدرات الذين يعكفون على محاولات تهريب الكبتاغون.

العقار بدأ بالانتشار بشكل كبير في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير

تجارة بالمليارات

مادة الفينيثايلين (الكبتاغون) هي في الأصل عقار منبه قوي للجهاز العصبي تمّ تصنعه من قبل شركة Degussa AG الألمانية في عام 1961 كبديل أكثر اعتدالا لمادة الأمفيتامين المنشطة لعلاج قصور الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال وأمراض الاكتئاب وأمراض عصبية متعلقة باختلال تنظيم دورة النوم. لكن منظمة الصحة العالمة أدرجته كأحد الممنوعات عام 1986 ما دفع معظم دول العالم لحظره.

هذا العقار بدأ بالانتشار بشكل كبير في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، حيث يعتقد بأن سوريا مسؤولة عن انتاج ما يقارب 80% من إمدادات العالم من الكبتاغون. فسهولة تصنيع العقار وارتفاع سعره شكلا عاملا محفزا لتوفير العملة الصعبة والحصول على أرباح سهلة في ظل انتشار الفقر في البلد الواقع تحت العقوبات الدولية والمعزول عن منظومة الاقتصاد العالمي، بحسب BBC.

وفي العام الماضي، قدرت الحكومة البريطانية أن أرباح سوريا من إنتاج الكبتاغون تخطت 57 مليار دولار، وهو ما يعادل ٣ أضعاف تجارة المخدرات المكسيكية، بينما تورد تقارير أخرى بأن حجم تجارة الكبتاغون بلغ سنويا نحو 10 مليارات دولار. صحيفة نيويورك تايمز الأميركية قالت إن ماهر الأسد، ابن عم الرئيس السوري وقائد الفرقة الرابعة في الجيش، هو المشرف على معظم صناعة وتوزيع تلك المادة المخدرة وتوفير طرق تهريبها لدول الجوار.

الكبتاغون المتداول حاليا يختلف في العادة عن العقار الأصلي، حيث يحتوي على بعض مشتقات مادة الأمفيتامين المنشطة الأسهل في التصنيع بالإضافة للكافيين. ولكن يتمّ ختمه بشعار واسم الكبتاغون لتسهيل ترويجه، حيث يتمّ تهريبه للأردن ولبنان وتركيا وإيران والعراق، ومن ثم لدول الخليج.

العراق يدخل خط التصنيع

قبل نحو ثلاثة أسابيع عثرت السلطات العراقية على نحو ربع مليون حبة كبتاغون وكيلوغرام من مادة الحشيش في داخل مبنى مدرسة في محافظة الأنبار القريبة من سوريا. وقبل ذلك بأسبوعين، ألقت السلطات القبض على تاجر مخدرات بحوزته 44 ألف حبة كبتاغون في أكياس مرسوم عليها شعار جمل ورقم 2023 في محافظة نينوى الشمال. هذا مجرد جزء صغير مما ابتلي به العراق من محاولات تهريب وتوزيع لذلك المخدر.

ففي شهر يونيو من عام 2022، اعترضت قوات الأمن العراقية طائرة شراعية بدائية محلية الصنع بالقرب من الحدود الكويتية كانت تحمل على متنها نحو مليون حبة كبتاغون بينما لاذ قائد الطائرة بالفرار لأحد دول الجوار. وفي الشهر السابق، أعلنت السلطات العراقية العثور على 6.2 ملايين حبة كبتاغون في جنوب غربي بغداد بعد تفكيك عصابة تهريب مخدرات. وفي شهر مارس من العام السابق، أعلنت القوات المسلحة العراقية احباط تهريب نحو 7 ملايين حبة كبتاغون و4 كيلوغرامات من مادة الكريستال في محافظة الأنبار قادمة من الأردن. وفي العام نفسه، أفادت السلطات العراقية بأنها ألقت القبض على نحو 13 ألف مروج وتاجر ومتعاطي لتلك المادة.

يزعم مراقبون بأن تجارة الكبتاغون في العراق تلقى أيضا دعما من بعض الأفراد النافذين في الدولة. ففي فبراير من العام الماضي، انفجرت موجة انتقادات للحكومة العراقية بعد صدور عفو رئاسي عن تاجر مخدرات مزعوم وضابط سابق في وزارة الداخلية تربطه صلة قرابة بمحافظ النجف السابق وبقيادي في كتائب حزب الله العراقية. وقد أدين ذلك الشخص بحيازة مادة الكبتاغون وحوكم بالسجن المؤبد وغرامة بنحو 25 ألف دولار.

رغم ذلك، لطالما كان العراق مجرد ممر يتم استغلاله لتهريب تلك المادة المنشطة لدول الخليج. لكن اكتشاف أوّل مصنع لإنتاج تلك المادة محليا على الحدود السعودية يعد تطورا مفصليا في طرق التهريب والتوزيع.

الهدف الأكبر

في شهر إبريل من عام 2021، فرضت السعودية حظرا على استيراد الفاكهة والخضروات من لبنان إثر العثور على ملايين حبوب الكبتاغون المخبأة داخل حبات فاكهة الرمان في ميناء الملك عبد العزيز في الدمام، بينما توعدت السلطات اللبنانية بملاحقة مهربي المخدرات. وبعد شهرين، صادرت السلطات السعودية في ميناء جدة نحو 14 مليون قرص كبتاغون مخبأة داخل شحنة ألواح حديدية قادمة من لبنان بالإضافة لنحو 4.5 ملايين حبة تم تهريبها داخل عدة علب برتقال كرتونية. وفي الشهر التالي، اكتشفت الجمارك السعودية 2.1 مليون حبة في الحديثة مخبأة في شحنة معجون طماطم.

أرقام قياسية

الرقم القياسي لأكبر كمية كبتاغون عثرت عليها السلطات السعودية هو 44.7 مليون حبة تم تهريبها من سوريا عام 2020، بينما أحبطت السلطات الإماراتية محاولة تهريب لنحو 35 مليون حبة كبتاغون في كابلات كهربائية من سوريا في شهر فبراير من العام نفسه.

أما السلطات الإيطالية، فقد أحبطت في يوليو من العام نفسه محاولة تهريب لنحو 84 مليون حبة كبتاغون مهربة من سوريا لميناء سلرنو الجنوبي. وفي شهر ديسمبر، اعترضت القوات الإيطالية سفينة سورية محملة بنحو 14 طن من مادة الكبتاغون بواقع 85 مليون حبة خرجت من ميناء اللاذقية باتجاه ليبيا، وهو ما تعادل قيمته نحو مليار دولار.

قائمة الدول التي أعلنت عن إحباط محاولات تهريب للكبتاغون السوري تضم اليونان وفرنسا وعُمان والأردن ومصر ولبنان والعراق والسعودية والإمارات وإيطاليا وتركيا.

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة