أمن‎

وضع هش وبيئة خصبة.. خطر "داعشي" خلف القضبان في سوريا

نشر
blinx
تتزايد المخاوف من تفاقم أوضاع السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم داعش في شمال شرقي سوريا، في ظل تراجع المساعدات الدولية وصعوبة السيطرة على آلاف المحتجزين.
وقد حذّر قادة عسكريون أميركيون من أن التنظيم يسعى إلى تحرير معتقليه داخل هذه المنشآت ومحاولة إعادة تجنيد عائلاتهم، بحسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال.
ويُعد سجن "الصناعة" في الحسكة شمال شرقي سوريا، أحد أخطر هذه المواقع، إذ يُحتجز فيه أبرز قادة داعش الأكثر تشددًا، وسط عزل كامل عن المعلومات. وتقود قوات الأمن فيه إجراءات صارمة تشمل منع السجناء من معرفة أي تفاصيل عن العالم الخارجي.
وكان مسؤولو الاستخبارات الأميركية، حذّروا في تقييمهم السنوي للتهديدات الذي قدّموه للكونغرس في مارس، من أن التنظيم الإرهابي سيسعى لاستغلال سقوط نظام الأسد "لإطلاق سراح السجناء وإعادة بناء صفوفه".
بدوره، صرّح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، أمام اجتماع للأمم المتحدة في أواخر سبتمبر من أن داعش لا يزال مؤثرًا في معسكرات الاعتقال. وأضاف: "مع مرور الوقت، تُصبح هذه المعسكرات حاضنات للتطرف".

أوضاع السجون والمعتقلات

يعيش في شبكة السجون ومعسكرات الاعتقال في شمال شرقي سوريا نحو 8400 من مسلحي تنظيم داعش المسجونين من 70 دولة، ونحو 30 ألفًا من زوجات وأطفال وأنصار متطرفين من عناصر التنظيم، وغيرهم من المتهمين بالارتباط بالتنظيم.
كما أن ما يقرب من نصف السكان أجانب، بمن فيهم أوروبيون وبعض الأميركيين، حوالي 60% منهم أطفال، نصفهم دون سن 12 عامًا، بحسب تقرير الصحيفة الأميركية.
وتُعتبر هذه المنشآت الأكبر عالميًا من حيث عدد عناصر داعش المحتجزين. وقد خفّضت الولايات المتحدة هذا العام ما لا يقل عن 117 مليون دولار من المساعدات المخصصة لشمال شرق سوريا، ما فاقم الضغوط على سلطات الإدارة المحلية.
ويؤكد مسؤولو السجن أن كثيرًا من المعتقلين لا يعلمون حتى من يدير سوريا اليوم.

تحذيرات أمنية من خطر المعتقلات

تحذّر القيادات العسكرية الأميركية والخبراء الأمنيون من أن استمرار هذا الوضع بلا حل يشكّل مأزقًا أمنيًا خطيرًا، في وقت يحاول تنظيم داعش استغلال السجون والمخيمات عبر بث الدعاية وتحريض المحتجزين لإثارة الفوضى أو تنفيذ عمليات هروب جماعية.
وتريد السلطات تجنب تكرار ما حدث في سجن الصناعة قبل ثلاث سنوات، عندما هاجم مسلحو تنظيم داعش المنشأة. وأشعل ذلك معركة استمرت أسبوعًا ضد القوات الأميركية والأكراد، والتي خلفت أكثر من 500 قتيل، معظمهم من المسلحين. في خضم هذه الفوضى، هرب المئات وربما عادوا إلى صفوف التنظيم.
وصفت القيادة المركزية للبنتاغون نزلاء سجن الصناعة بأنهم "جيش داعش قيد الاعتقال".

"أوضاع مهينة وغير إنسانية"

يقع مركز احتجاز الهول، وهو مجمع مكتظّ، مُحاط بسياج من الأسلاك الشائكة، على بُعد حوالي 20 ميلًا شرق سجن الصناعة قرب الحدود مع العراق. ويضمّ بشكل رئيسي نساءً وأطفالًا من عائلات مقاتلي داعش. ويقع معسكر أصغر، يُدعى "الروج"، شمالًا.
الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وصفت الظروف في كلا المخيمين بأنها غير إنسانية ومهينة، مشيرةً إلى قضايا مثل عدم كفاية الرعاية الصحية وحالات العنف ضد المرأة.
وهذا العام خفضت إدارة الرئيس دونالد ترامب ما لا يقل عن 117 مليون دولار من المساعدات الأميركية لشمال شرق سوريا، بما في ذلك ما لا يقل عن 15 مشروعًا في الهول وخمسة مشاريع في روج، وفقًا لمنتدى المنظمات غير الحكومية في شمال شرق سوريا، وهو تحالف لمنظمات الإغاثة في المنطقة.
في يوليو، أُغلقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID، وهي ذراع المساعدات الخارجية للحكومة الأميركية.
تقول جيهان حنان، مديرة مخيم الهول، بأن البرامج التي فقدت التمويل شملت مساعدة المرافق الطبية وإعادة التأهيل الصحي، بالإضافة إلى توفير الدعم النفسي وأماكن آمنة للأطفال. وأضافت أن فقدان البرامج سيجعل الأطفال في المخيم أكثر عرضة للتطرف.
وأفاد المفتش العام لبعثة الجيش الأميركي في سوريا والعراق ضد تنظيم داعش في أغسطس أن تخفيضات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وفقدان برامج مساعدة الشباب "زادا من التوترات في المخيم".
كما وجد التقرير أن موظفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لاحظوا أن النساء والأطفال أصبحوا أكثر عرضة "للإساءة والاستغلال والتطرف".
وقالت حنان إن الأمم المتحدة والجهات المانحة الأوروبية قد سدت بعض الثغرات، لكن التمويل لا يزال بعيدًا عن التمويل الذي كانت الولايات المتحدة تقدمه سابقًا.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية: "لن تبقى المساعدات الخارجية الأميركية للمخيمات مسؤولية غير محددة المدة. لقد تحملت الولايات المتحدة الكثير من هذا العبء لفترة طويلة جدًا".

ماذا عن محاولات "إعادة التوطين"؟

في ذروتهما، كان مخيما الهول والروج يأويان أكثر من 73 ألف شخص. انخفض عدد المعتقلين مع إطلاق سراح البعض أو إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، وخاصة العراق. ولا تزال الحكومة الأميركية تُواصل تمويل عمليات الإعادة إلى الوطن.
حثّ المسؤولون الأكراد والأميركيون الدول مرارًا وتكرارًا على استعادة مواطنيها، مما قد يسمح في النهاية بإغلاق معسكرات الاعتقال والسجون. لكن قلة من الحكومات فعلت ذلك، خوفًا من أن يُزعزع المتطرفون استقرار بلدانهم ويتسببوا في مشاكل سياسية داخلية.
قال كوبر في اجتماع الأمم المتحدة: "ستتفاقم هذه المشكلة مع مرور الوقت. كل يوم يمر دون إعادة توطين يُفاقم الخطر علينا جميعًا".
وكانت الولايات المتحدة قد أعادت حوالي 50 مواطنًا أميركيًا منذ عام 2016، وفقًا لوزارة الخارجية، بمن فيهم قاصر غير مصحوب بذويه في يوليو. ووفقًا لبعض التقديرات، لم يتبقَّ في هذه المراكز سوى أقل من 10 مواطنين أميركيين، وفق "وول ستريت جورنال".

داعش والاستفادة من المناخ السياسي الهش

يشعر القادة الأميركيون بالقلق إزاء الأمن في السجون والمعسكرات. أفاد المفتش العام أن تدريب الحراس الأكراد في هذه المرافق غير متسق لأنه يتم سحبهم في كثير من الأحيان للتعامل مع عدم الاستقرار في أماكن أخرى.
اشتبكت القوات التي يقودها الأكراد "قسد" مع مسلحين تدعمهم الحكومة السورية وتركيا. واستغل تنظيم داعش حالة عدم الاستقرار، وصعّد هجماته هذا العام ضد القوات التي يقودها الأكراد.
وقالت حنان إن التنظيم سعى أيضًا إلى الاستفادة من المناخ السياسي الهش وخفض المساعدات من خلال إثارة الاضطرابات في مرافق الاحتجاز.
ففي نوفمبر 2024، بينما كان المتمردون يزحفون نحو دمشق، تسلل أحد عناصر تنظيم داعش إلى مخيم الهول، وقام باستبدال المسلحين ذوي الخبرة بفتيان مراهقين، مما سمح لعدة مقاتلين بالفرار. كما أعاد تنشيط لواء "أنصار العفيفات"، الذي كان مكلفًا بجمع المعلومات الاستخبارية داخل المخيم وتجنيد الشباب، وفقًا لمحققي الأمم المتحدة.
في أبريل، داهمت قوات التحالف بقيادة القوات الكردية والأميركية مخيم الهول بعد تدهور الوضع الأمني فيه، بعد أن هاجمت خلايا نائمة تابعة للتنظيم شرطة المخيم، وأُحرقت مكاتب بعض الجمعيات الخيرية. وحاولت بعض الخلايا تنظيم محاولة هروب جماعية.
ووفق "وول ستريت"، أدت العملية إلى اعتقال 20 شخصًا ومصادرة ثلاث بنادق من طراز AK-47 ومسدس وقنابل يدوية وقنابل محلية الصنع.
وفي نوفمبر، اعتقلت قوات التحالف قياديًا بارزًا في تنظيم داعش في الهول، كان تحت مراقبتها لأيام.

داعش ونشر دعايته

يُرسل التنظيم بانتظام رسائل قرآنية إلى هواتف المعتقلين، مُطمئنًا إياهم بأنه سيتم إنقاذهم يومًا ما. كما يُطلعهم على آخر عملياته، مُشيرًا إلى أنها انتقام لسجن المعتقلين.
يستخدم المسلحون وسائل التواصل الاجتماعي لتنظيم الخلايا النائمة والتواصل معها ونشر دعايتهم. في رسالة صوتية استمعت إليها صحيفة وول ستريت جورنال، حثّت الجماعة أتباعها على الانتفاضة، "والقتال منفردين إن لزم الأمر" لمساعدة المعتقلين.
جاء في إحدى الرسائل. "أشعلوا الحرب. جرّدوا سيوفكم. اضربوا ضربة تلو الأخرى"، وقال أحد المعتقلين، ويدعى حسين صالح، إن تنظيم داعش حاول اغتياله أربع مرات لمساعدته شرطة المخيم الكردية، واصفًا إياه بالخائن. وهو يعيش حاليا في منطقة آمنة محمية داخل المخيم مع آخرين واجهوا تهديدات من التنظيم.
قال صالح، البالغ من العمر 42 عامًا، وهو جالس أمام خيمته: "هناك العديد من القتلة هنا لأنهم اعتنقوا أيديولوجية داعش. ليس لديهم مال"، والتنظيم "يدفع لهم في المخيمات. يقتلون شخصًا مقابل 50 دولارًا".

حمل التطبيق

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2025 blinx. جميع الحقوق محفوظة