أمن‎

من السجون إلى المقابر.. كيف دفن نظام الأسد الجرائم في السجلات؟

نشر
blinx
كشف آلاف الوثائق السرية وشهادات كيف أدار نظام بشار الأسد، خلال سنوات الحرب السورية، عملية ممنهجة لإخفاء جرائم التعذيب والقتل داخل مراكزه الأمنية، في محاولة استباقية للإفلات من أي مساءلة قانونية محلية أو دولية، بحسب تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز، استندت فيه إلى أكثر من 50 مصدرا مختلفا بينهم مسؤولون سياسيون وأمنيون سابقون وأطباء وعمال مقابر جماعية.
ولم يكن الهدف فقط التخلص من الجثث، بحسب المصادر، بل محو الأدلة، وتفكيك سلاسل التوثيق، وتزوير السجلات، وصولًا إلى إعادة هندسة "الذاكرة الرسمية" للدولة.

تعذيب في السجون.. سياسة دولة

مع اندلاع الاحتجاجات عام 2011 وتحولها إلى نزاع مسلح، أُطلقت يد الأجهزة الأمنية بالكامل. سقطت القيود القانونية، وتحولت الفروع الأمنية إلى مراكز احتجاز وتعذيب جماعي. وبحسب شهادات ٨ محققين سابقين، استخدمت أساليب تعذيب قاسية ومنهجية، شملت:
  • الصعق بالكهرباء، خصوصًا في الأعضاء التناسلية
  • التعليق من الأطراف لفترات طويلة
  • الخنق المتكرر حتى فقدان الوعي
  • الحرمان من النوم لعدة أيام
  • التجويع المتعمد
  • الحبس في زنازين مكتظة مع جثث متحللة
  • إدخال عبوات غاز مفتوحة إلى الزنازين لإرهاب المعتقلين
وكان التعذيب يُمارس ضمن نظام إداري منظم، بحسب الوثائق، فكل جلسة تحقيق كانت تُدوَّن، وكل وفاة تُسجَّل، وكل جثة تُصوَّر. هذا التوثيق الدقيق جاء، بحسب مسؤول طبي عسكري سابق، بناءً على نصائح من حلفاء للنظام، رأوا أن "الاعترافات" قد تشكّل غطاءً قانونيًا مستقبلًا.

حين تحوّلت السجلات إلى خطر

لكن ما اعتُبر يومًا عنصر قوة، تحوّل لاحقًا إلى تهديد وجودي للنظام. ففي يناير 2014، هُرّبت إلى خارج سوريا صور أكثر من 6 آلاف جثة لمعتقلين قضوا تحت التعذيب، التقطها مصور عسكري عُرف باسم "قيصر". أظهرت الصور أجسادًا هزيلة، وعلامات تعذيب واضحة، وأرقامًا تسلسلية مرتبطة بالفروع الأمنية.
وأحدثت الصور صدمة دولية، وقدمت فرنسا لاحقًا هذه الأدلة إلى مجلس الأمن الدولي، ما فتح الباب أمام ملاحقات قضائية محتملة بحق النظام.
هنا، بدأ التحول الكبير: لم يعد المطلوب توثيق الجرائم، بل محو آثارها.

اجتماع القصر.. قرار الطمس

في خريف 2018، اجتمع رؤساء الأجهزة الأمنية في القصر الرئاسي بدمشق، وسط تصاعد التسريبات حول المقابر الجماعية والسجون السرية.
بحسب مصدرين اطّلعا على مجريات الاجتماع، طُرحت مقترحات عملية لإزالة الأدلة. أبرزها جاء من كمال حسن، رئيس فرع فلسطين، الذي اقترح شطب أسماء المعتقلين المتوفين في السجون السرية من السجلات الرسمية بالكامل، لمنع وجود أي أثر ورقي.
علي مملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني حينها، وافق على بحث الاقتراح، وطلب من الأجهزة إعداد آليات تنفيذ.

العبث بالوثائق الرسمية

بعد الاجتماع، بدأت مرحلة جديدة من العمل الأمني، عنوانها: تفكيك الأدلة من الداخل، حيث بدأ:
  • التلاعب بأوراق الوفاة بحيث لا يمكن ربطها بالفروع الأمنية
  • حُذفت أرقام الفروع وأرقام المعتقلين من سجلات نقل الجثث
  • أُرسلت جثث المعتقلين إلى مشافٍ عسكرية دون أي بيانات تعريفية
  • مُنعت العائلات من الاطلاع على أي تفاصيل تتعلق بالوفاة
وفي عام 2019، توقفت بعض الفروع، بينها الفرع 248 وفرع فلسطين، عن كتابة أي معلومات تعريفية على الجثث عند نقلها.

تزوير الاعترافات.. الغطاء القانوني

الخطوة الأخطر جاءت لاحقًا، بحسب التحقيق، ففي مذكرات مصنفة "سري للغاية" تعود إلى عام 2020، اقترح ضباط في استخبارات القوات الجوية تسجيل وفيات المعتقلين في السجل المدني، بحجة إبلاغ العائلات وامتصاص الغضب الشعبي، لكن مقترحهم قوبل بالرفض.
وكتب رئيس القضاء العسكري، اللواء محمد كنجو الحسن، في مذكرة رسمية: "لا ضرورة لمشاركة تفاصيل الجثث مع العائلات، قد يكون الأمر غير آمن".
في النهاية، شُكّلت لجنة داخل مكتب الأمن الوطني، وخرجت بقرار حاسم: "تزوير اعترافات لكل معتقل توفي في الحجز، وإرجاع تاريخها إلى ما قبل الوفاة".
بعض هذه الاعترافات تضمّن إقرارات بالانتماء إلى "تنظيمات إرهابية"، لتبرير القتل لاحقًا. لكن ظهرت مشكلة تقنية: التوقيع.
القانون يفرض توقيع الاعتراف بالبصمة، ولتفادي كشف التزوير، لجأ عناصر الأمن إلى وضع بصماتهم بحبر خفيف جدًا، ثم تصوير الورقة وإتلاف الأصل، والاحتفاظ بالنسخة المصورة فقط.

المقابر الجماعية.. الرحلة الأخيرة

إخفاء الجثث كان الحلقة الأخيرة في السلسلة. ففي دمشق ومحيطها، أشرف العقيد مازن إسمندر على عمليات دفن واسعة النطاق. كانت الجثث تُجمع من المشافي العسكرية وتُنقل إلى مواقع دفن سرية.
في مطلع 2019، بعد تسريب معلومات عن مقبرة جماعية في القطيفة، أُمرت الفرق بنبش الجثث ونقلها إلى موقع جديد في صحراء الضمير.
استُخدمت جرافات وشاحنات قلّابة. ولمنع رؤية الجثث، جرى تغطيتها بالمشمعات، ثم بطبقة من التراب داخل الشاحنات.
شهادات مدنيين عملوا على صيانة هذه الآليات تتحدث عن جثث لمدنيين، مسنين، وأشخاص عراة، تُلقى في مقابر جماعية تم إنشاؤها في صحراء الضمير، وهو ما كشفت عنه رويترز في وقت سابق في تحقيق منفصل.
وقالت رويترز الاثنين الفائت أن الحكومة السورية الجديدة أمرت جنودا من الجيش بفرض حراسة على مقبرة جماعية حفرت لإخفاء فظائع وقعت في الأسد كما فتحت تحقيقا جنائيا بعد تقرير كشف عن مؤامرة نفذها نظام الأسد وأبقاها طي الكتمان لسنوات لإخفاء آلاف الجثث في موقع صحراوي ناء.
وذكر ضابط سابق في الجيش السوري مطلع على العملية أن الموقع في صحراء الضمير إلى الشرق من دمشق كان مستودعا للأسلحة خلال فترة حكم الأسد. وجرى لاحقا إخلاؤه من العاملين في 2018 لضمان سرية المؤامرة التي تضمنت استخراج جثث الآلاف من الضحايا المدفونين في مقبرة جماعية في ضواحي دمشق ونقلها بالشاحنات لموقع يبعد ساعة بالسيارة إلى الضمير.
وأطلق على العملية التي خططت لها الدائرة المقربة من الأسد اسم "عملية نقل الأتربة". وانتشر جنود في موقع الضمير مرة أخرى، لكن هذه المرة بأمر من الحكومة التي أطاحت بالأسد.
ورغم العقوبات الدولية، وعلى رأسها "قانون قيصر" أواخر 2019، لم يتراجع التعذيب. على العكس، قال محققون سابقون إن القسوة ازدادت، بدافع الغضب من انهيار الرواتب وتدهور الاقتصاد.
في الوقت نفسه، زادت المخاوف من شهادات معتقلين مفرج عنهم. بعض المسؤولين الأمنيين رأوا أن إبقاء المعتقلين حتى الموت "أضمن" من الإفراج عنهم.

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة