مجتمع

مصر تجمع أموال السوق السوداء.. كل ما تريد أن تعرفه عن "شهادات الاستثمار"

نشر

.

Muhammad Shehada

تصريح نادر لنائب مدير البنك الأهلي المصري، يحيى أبو الفتوح، أثار حالة من الجدل في الشارع المصري عندما قال "لو معك مليون دولار، ادخل البنك واشتري شهادة ادخار ولن يسألك أحد من أين جئت بهذه الأموال".

جاء هذا التصريح بالتزامن مع إعلان البنك الأهلي وبنك مصر عن طرح شهادات ادخار بالدولار الأميركي، وهما أكبر بنكين حكوميين يستحوذان على نحو 50% من الأموال في القطاع المصرفي المصري. وتأمل الحكومة في جمع نحو 4 مليار دولار من العملة الصعبة الموجودة في السوق الموازية.

فهل تنجح الخطة التي أعلنتها الحكومة يوم ٢٦ يوليو؟ ولو فرضنا نجاح هذا المسار، هل الأمر مجدٍ اقتصادياً للحكومة؟ وهل يساهم في إنعاش الاقتصاد؟

أبو الفتوح لم يكن يقصد بالضرورة أن البنك سيفتح الباب لغسيل الأموال المشبوهة، ولكن ما قصده هو أن البنك لن يُرهق العميل بالأسئلة عن كيفية حصولك على المبلغ المودع، طالما كان بالدولار، بينما يواصل البنك التزامه بتحري أصل الأموال. أي أنه إذا أودع شخص 5 آلاف دولار مثلاً، فإن البنك لن يسأله إذا كان قد جاء بتلك الدولارات من السوق السوداء أم لا، ولكنه قد يسأله عن المصدر في حال كان المبلغ فوق مستوى دخل العميل وقدراته المادية.

شهادات الادخار بالدولار قد تشكل حافزا للبعض لوضع أموالهم في البنوك

أما الشهادات نفسها فمدتها ثلاث سنوات بحد أدنى ألف دولار، وهي تنقسم لنوعين: الأول بفائدة سنوية مقدارها 9% تصرف مسبقاً بالجنيه المصري عند إيداع الأموال ويسترد المبلغ المودع بعد انقضاء المدة بالدولار. أي أنك إذا قمت بشراء شهادة بألف دولار، فستحصل بشكل فوري على 8342 جنيه (270 دولار بالجنيه)، مقابل احتفاظ البنك بهذه الأموال لمدة ثلاث سنوات، وإعادتها إليك بالدولار.

أما الشهادة الدولارية الثانية، فنسبة الفائدة السنوية هي 7% تدفع كل ثلاثة أشهر بالدولار الأميركي. أي أنك إذا قمت بإيداع 10 آلاف دولار، فستحصل كل ثلاثة أشهر على 175 دولار، بشرط احتفاظ البنك بتلك الأموال لثلاث سنوات. وبعد مضي 3 سنوات ستكون قد حصلت على 2100 دولار من الفوائد.

حلقة مفرغة

تشير التقديرات بأنه يوجد ما بين 4-7 مليار دولار في السوق السوداء المصرية يتم تداولها خارج البنوك الرسمية. أحد أسباب ازدهار هذا السوق هو تثبيت البنك المركزي لسعر الصرف عند 31 جنيه مقابل كل دولار لمنع انهيار العملة بشكل كبير مع تقلبات الأسواق العالمية والأزمات الاقتصادية المتتالية التي تعصف بالعالم كوباء كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطراب سلاسل الإمدادات حول العالم. في الوقت ذاته، يصل سعر الدولار في السوق السوداء لنحو 38 جنيها.

ساهمت القيود الحكومية المفروضة على المصريين فيما يتعلق بالوصول للعملة الصعبة في لجوء بعض المواطنين إلى السوق السوداء لتلبية حاجاتهم من الدولار، وهو ما يخلق حلقة مفرغة ترفع من سعر الدولار في السوق السوداء نتيجة الطلب المرتفع، ما يعني استمرار ضخ الدولارات خارج القطاع المصرفي الرسمي.

شهادات الادخار بالدولار قد تشكل حافزا للبعض لوضع أموالهم في البنوك بشكل آمن والحصول على مردود اقتصادي جيد منها. ويأمل مدراء بنكي الأهلي ومصر بأن تضخ هذه الحملة نحو 4 مليار دولار للقطاع المصرفي، ما قد يعطيه انتعاشاً مالياً.

يوجد ما بين 4-7 مليار دولار في السوق السوداء المصرية

قروض وديون وعجز في الموازنة

الحكومة المصرية حصلت على قرض من صندوق النقد الدولي بثلاثة مليار دولار نهاية العام الماضي، مقابل السماح بسعر صرف حر للجنيه المصري، جزئياً، وهو ما خفض قيمة الجنيه بمقدار النصف، ليصل إلى 31 جنيها لكل دولار بسعر البنك المركزي، بعد أن كان سعره في شهر مارس عام 2022 حوالي 15.7 جنيه لكل دولار.

بالإضافة للقرض الجديد، أودعت دول خليجية نحو 13 مليار دولار في البنك المركزي المصري، مع تعهدات باستثمارات تزيد عن 10 مليار دولار لمساعدة البلاد على تجاوز أزمتها الاقتصادية.

على الرغم من هذه الأموال، إلا أن الموازنة العامة المصرية من المرتقب أن تواجه عجزا بمقدار 26.7 مليار دولار في العام المالي 2023-2024 وفقاً لوزارة المالية.

علاوة على ذلك، وصل دين الحكومة المصرية الخارجي حوالي 165.4 مليار دولار في شهر مارس الماضي، بينما تعاني مصر من نقص في العملة الصعبة الضرورية لسداد أقساط تلك الديون أو لاستيراد البضائع من الخارج، بما في ذلك القمح والأعلاف والنفط.

وصل دين الحكومة المصرية الخارجي حوالي 165.4 مليار دولار

انتعاش مؤقت

لذلك، لو افترضنا نجاح الحكومة المصرية في جمع مبلغ 4 مليار من السوق السوداء، فإن ذلك قد يسد بعض احتياجاتها بشكل مؤقت، خاصة في دفع أقساط الديون وتحريك عجلة الاقتصاد وحل بعض مشاكل الاستيراد عند توفير مقدار أكبر من العملة الصعبة داخل القطاع المصرفي. هذا الأمر قد يعطي الحكومة متنفساً محدوداً، خاصة في هذا التوقيت الحرج الذي يشهد فيه الاقتصاد المصري أزمات مختلفة أبرزها تضخم أسعار المنتجات وقلة حوالات العمالة المصرية في الخارج.

لكن في الوقت نفسه، الفكرة لا تعد حلاً للأزمة المصرية، خاصة مع وجوب سداد هذه الأموال لأصحابها بعد ثلاثة سنوات بالدولار الأميركي، بالإضافة لأن العائد المادي من شراء شهادات الادخار قد يرفع على الطلب من الدولار في السوق السوداء ما يعني استمرار ازدهار هذا السوق لارتفاع أسعار الصرف فيه. بالإضافة لذلك، قد تؤثر هذه الشهادات الاستثمارية على عجلة الاقتصاد إذا كان من الأسهل للمستثمرين ادخار أموالهم في البنوك بدلاً من تشغيلها في السوق.

علاوة على ذلك، الشهادات الدولارية من البنوك الحكومية الكبرى كالأهلي وبنك مصر قد تؤثر بالسلب على باقي بنوك القطاع الخاص غير القادرة على هذه المنافسة ورفع أسعار الفائدة على شهادات الادخار بالدولار لنفس المستوى.

الشهادات الدولارية من البنوك الحكومية الكبرى قد تؤثر بالسلب على باقي بنوك القطاع الخاص

الإقبال طفيف والمخاوف متعددة

في الساعات الأولى من يوم الأربعاء، شهدت فروع البنكين الحكوميين إقبالاً طفيفاً من المواطنين. فالجمهور المصري لديه بعض المخاوف حيال الأمر وتشكيك في الوعود بعدم المسائلة عن مصدر الدولارات. أبرز تلك المخاوف هو في حال اقتراب مصر من جرف الإفلاس وقيام البنوك المصرية بفرض إجراءات مشددة كتلك الحاصلة في لبنان مثل منع سحب الودائع بالعملة الصعبة. بالإضافة للتساؤل حول المردود الاقتصادي من هذه الشهادات لمواطني الطبقة الفقيرة والمتوسطة مقابل المخاطر، بالمقارنة مثلاً بالاستثمار في الذهب أو بيع تلك الدولارات في السوق السوداء.

فإذا كان لديك ألف دولار وقمت بإيداعها مقابل فائدة 27% بالجنيه عن السنوات الثلاث، فإنك ستحصل على 8342 جنيه فورية وسيحتفظ البنك بالألف دولار لثلاث سنوات. في حين أنك إذا قمت بتغيير الألف دولار في السوق السوداء بسعر 38 جنيه للدولار، فستحصل على 38 ألف جنيه، أي ما يعادل الألف دولار بسعر صرف البنك المركزي (31 ألف جنيه) و7000 آلاف جنيه بشكل فوري، مع العلم أن الحكومة المصرية تتخذ إجراءات مشددة لمحاربة بيع الدولارات في السوق السوداء قد تصل للحبس وغرامات مالية كبيرة.

شراء الشهادات الدولارية قد يشكل خياراً جيداً للمصريين بالخارج الراغبين بادخار أموالهم لحين العودة للوطن والحصول على مردود مادي تراكمي على تلك الأموال بالعملة الصعبة دون تغييرها للجنيه المصري. وقد يشكل خياراً للمصريين الذين يقومون بادخار أموالهم الدولارية في البيوت لوضعها في مكان آمن كشهادة استثمارية مع إمكانية استرداد تلك الأموال بالدولار وكسر الشهادة في أي وقت.

أيهما أفضل؟

الشهادات الدولارية تعتبر خياراً أكثر جاذبية من شهادات الادخار بالجنيه المصري بالرغم من ارتفاع سعر صرف الأخيرة ليصل لنحو 22.5%، وقد وصل في أحد الحملات لحوالي 25%. السبب هو التضخم وتذبذب أسعار صرف الجنيه المصري في السوق السوداء وانخفاض قيمته الكبيرة خلال عام واحد.

فإذا أودعت مبلغ 100 ألف جنيه مصري لمدة ثلاثة أعوام بفائدة سنوية 22,5%، ولكن التضخم استمر في الصعود ليصل نحو 34% بحلول موعد استحقاق تلك الفائدة بنهاية العام، فإن قيمة المال الشرائية الذي أودعته تكون قد انخفضت بمقدار التضخم. لذلك تكون قد خسرت ولم تربح نحو 11.5% من قيمة المال (نسبة الفائدة – نسبة التضخم = نسبة الفائدة الحقيقية).

مصر ليست الوحيدة التي تعرض أسعار فائدة هائلة هكذا. فالأرجنتين التي تعاني أيضاً من ديون خارجية عالية ونسبة تضخم مرتفعة تعرض فوائد تصل لحوالي 73,6% بينما نسبة التضخم وصلت لنحو 104% ما يعني أنك ستخسر نحو 30,4% من قيمة المال بعد عام. أما فنزويلا فتعرض فائدة بمقدار 36% ونسبة التضخم 156%.

لذلك إيداع الأموال بالدولار واستردادها بالدولار بعد انقضاء المدة قد يكون أكثر جاذبية في هذه الحالات.

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة