مجتمع

"ختيارية" السيباط باقون بجوار المحال الفارغة

نشر

.

Qassam Sbeih

إلى يمين المدخل الشمالي لمدينة جنين الفلسطينية تقف بوابة كبيرة تشبه بوابات الحارات الشامية يصفها أهل المدنية بـ"المهملة"، بعد هذا البناء الواقف على ارتفاع أكثر من عشرة أمتار يبدأ سوق السيباط في المدينة، أو البلدة القديمة كما يسميها الغرباء عن مدينة جنين.

التقى مراسل بلينكس تجار السوق المتبقين، الذين تنتابهم نوبة من اليأس والحزن على حال السوق الفارغ من حركة الزبائن بعد أن كان أشهر سوق في جنين وما حولها من مدن في سبعينات القرن الماضي، لكنهم يجدون طريقة خاصة لمواجهة الحال.

محلات مغلقة. قسام صبيح

يتحسر رائد سوقية الذي شارف عمره على السبعين وهو أحد سكان البلدة القديمة في جنين على حال الأزقة وسوق السيباط في المدينة، ويقول "هون كان في خياط وهون دكان، وهون محل سمانة، بس كله راح" ويعزي رائد السبب في ذلك إلى أن أهل البلدة القديمة "المتمسكين بها (الختيارية) ماتوا، وأبناؤهم باعوا الممتلكات أو أغلقوها وانشغلوا بالوظائف والتكنولوجيا التي ألهتهم عن تراثهم الأصيل".

أنشئت أجزاء من سوق السيباط على يد العثمانيين في بداية وجودهم في فلسطين في القرن الخامس عشر، بينما بنى المماليك الجزء الآخر منه، وذلك حسبما تقول دائرة التراث والآثار لأهالي السيباط الذين ما زالوا يعيشون ويبحثون عن رزقهم هناك.

السيباط الذي يحوي أكثر من ٦٠ حانة قديمة كل واحدة منها كانت مصدر رزق لعائلة كبيرة قبل ما لا يزيد عن ٤٠ عام، لم يعد فيه أكثر من ١٠ حانات مفتوحة، والباقي كما قال نامق أبو دياك وهو صاحب إحدى الحانات العشر المفتوحة لغاية الآن "أغلقها غبار الزمن".

ويستيقظ الستيني نامق كل يوم في السادسة صباحا يشرب قهوته ويتناول فطوره ويذهب إلى محله الذي وصفه بـ "الصغير المتواضع" في تمام الساعة السابعة والنصف ويشعل "راس أرجيلة حامي" كما وصف، وينتظر الزبائن القلائل طوال فترة النهار. يبيع الحاج نامق في حانته الصغيرة الدواجن والطيور البلدية، وله مجموعة ديوك يسميها بأسماء غريبة مثل: قطني، لافندر، كابتشينو. ويفضل زبائن نامق الحمام البلدي والمسمى محليا بـ"الزغاليل" ويبلغ سعر زوج الزغاليل في دكان نامق ٢٥ شيكل، ٧ دولارات أميركية تقريبا.

للحاج نامق أربعة أولاد كلهم تخرجوا من الجامعات وأحدهم طبيب بشري، يقول الأب الذي وصفه جيران دكانه بـ"المكافح" إن الأوضاع المادية "صعبة على الجميع، ولا يوجد في محلي أكثر من سبع دجاجات، وخمس حمامات ولا أشتري أعدادا كبيرة من الطيور خوفا من أن تموت قبل أن تباع".

في بدايات القرن العشرين كان السيباط ملجأ التجار من المناطق العربية المختلفة، ويتذكر رائد سوقية أباه الذي كان يحدثه عن أيام العثمانيين والإنجليز، في ذلك الوقت تواجد تجار أردنيون ومصريون ومغاربة في السيباط. اتخذ تجّار النحاس والقماش في تلك الفترة من السيباط مكانا لتجارتهم ومن البلدة القديمة في جنين مسكنا لهم.

يقول رائد إن أحد أهل الصعيد في مصر جاء إلى شمال فلسطين منتصف القرن الماضي شابا، بعد أن هجر أهله بسبب مشكلة عائلية، ويتذكر رائد ذلك الصعيدي صاحب البشرة السمراء والشعر المجعد والذي توفي في بداية الألفية الثانية وهو يعمل في مهنة تبييض النحاس في حانة قديمة جدرانها بنيت بالطين والتراب ويتجاوز عرض الجدار الواحد أكثر من متر ونصف.

إلى يسار الساحة الرئيسية وسط السيباط، ما زال شاب آخر من سكان البلدة القديمة يعمل في منجرته، ورشة صناعة أثاث، التي ورثها عن أبيه، ويستخدم الشاب ربيع عواد معدات يدوية غير كهربائية في مهنته التي أصبحت حديثا تعتمد على المنشار الكهربائي وتكنولوجيا الليزر كما وصف. وتعتبر منجرة عواد هي المنجرة الوحيدة في منطقة السيباط في البلدة القديمة في جنين بعد أن تسبب الإهمال الحكومي بالمنطقة بإغلاق أغلب المحلات هناك حسبما يقول أصحاب المحلات المتبقية.

يطالب أصحاب المحلات الذين قابلتهم بلينكس وعددهم خمسة وتحدث باسمهم الحاج نامق أبو دياك بـ "اهتمام أكبر من قبل مكتب المحافظة وغرفة التجارة والصناعة والبلدية في جنين" ويرى نامق أن الحركة التجارية في السيباط أصبحت "ميتة" نتيجة هذا الإهمال غير المبرر من وجهة نظر تجار السيباط.

كان للبلدة القديمة التي تعاني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة هذه الأيام دور كبير في مقاومة الإنجليز وقت الانتداب البريطاني على فلسطين بعد سقوط الدولة العثمانية، وهو ما ذكره رائد سوقية خلال حديثه لبلينكس.

يقول رائد سوقية إن البلدة القديمة في جنين كان لها "صولات وجولات في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي منذ ١٩٦٧ وحتى الآن، ويستذكر رائد أيام الانتفاضتين الأولى والثانية حيث أغلق الجيش الإسرائيلي أبواب البلدة لمحاصرة المطاردين بدبابته والحواجز الإسمنتية الكبيرة".

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة