مجتمع

لماذا يخاف وزير إسرائيلي من تعليم "المقدسيين"؟

نشر

.

Muhammad Shehada

بتسلإيل سموتريش.. وزير تلاحقه اتهامات إسرائيلية بالإرهاب، قرر اقتطاع أجزاء من منحة مخصصة للفلسطينيين، لكن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية نفسها مارست عليه ضغوطا شديدة حتى تراجَع عن قراره.

تحذيرات جهاز الأمن الداخلي، الشاباك، لوزير المالية سموتريش، طالبته باعتماد سياسة أكثر مرونة، ما دفعه للتراجع جزئيا عن تجميد قرابة 54 مليون دولار مخصصة للبلديات العربية في إسرائيل، بالإضافة لنحو 670 مليون دولار للفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، ضمن خطة تنموية تمتد على 5 سنوات.

قرار سموتريش بتجميد هذه الموازنة في بداية أغسطس الماضي وتراجعه جزئياً عن هذا القرار في 27 أغسطس، جاء بعد سلسلة من التصريحات العنصرية له مثل "لا نريد أكاديميين فلسطينيين" وأي أموال ترسل للبلديات العربية في إسرائيل تنتهي في أيدي "المجرمين والإرهابيين".

فما هي الخطة الخمسية التنموية الإسرائيلية؟ وكيف تندرج ضمن رؤية سموتريش لإخضاع الفلسطينيين؟

الخطة الخمسية

في خطة لخمس سنوات للقدس الشرقية المحتلة قامت الحكومة الإسرائيلية السابقة بتخصيص ميزانية لدعم برامج تحضيرية تعمل على تشجيع وتمكين الطلبة المقدسيين للالتحاق بالجامعات الإسرائيلية، وقد التحق بتلك البرامج نحو 500 طالب.

غالبية سكان القدس الشرقية لا يحملون الجنسية الإسرائيلية، وإنما يحملون تصاريح إقامة دائمة في إسرائيل تمنحهم القدرة على الالتحاق بالجامعات الإسرائيلية والعمل داخل الخط الأخضر.

الخطة كانت تمثل أكبر استثمار إسرائيلي في القدس الشرقية منذ احتلالها عام 1967 بحسب صحيفة هآرتس العبرية.

أحد أبرز أهدافها هو إدماج فلسطيني القدس في إسرائيل، أي دفعهم لتبني نمط الحياة واللغة والهوية الثقافية والسياسية الإسرائيلية وطمس الهوية الفلسطينية في المدينة التي قامت إسرائيل بضمها بشكل مخالف للقانون الدولي عام 1980، وتسعى لتهويدها منذ ذلك الحين.

مسؤولو وزارة التعليم وأجهزة الأمن الإسرائيلية يربطون بين "تمويل مثل تلك البرامج في القدس الشرقية وبين انخفاض مستوى العنف والإرهاب" على حد وصفهم.

بالإضافة لذلك، قامت الحكومة الأخيرة بتخصيص ميزانية لبرامج تنموية في بلديات عربية داخل الخط الأخضر، حيث يعاني مواطنو إسرائيل الفلسطينيون، وعددهم نحو 2 مليون، من التهميش والفقر والتمييز وضعف الخدمات والبنية التحتية في أماكن تواجدهم.

عنصرية سموتريش تقف وراء إصراره

وزير المالية سموتريش صمم على إيقاف تمويل تلك البرامج "لأسباب عنصرية" بحسب تفسير زائيف إلكين من حزب الوحدة الوطنية اليميني المتشدد. بينما نقلت هآرتس في حينه عن مسؤولين في وزارة التعليم تحذيرهم من أن قرار سموتريش سيضر بجهودها في نشر المناهج الإسرائيلية في أوساط الفلسطينيين في القدس الشرقية بدلاً من المنهج الفلسطيني.

أعضاء من الحكومة الإسرائيلية أثناء افتتاح أحد المشروعات التنموية. أ ب

منذ بدء الأزمة، حاول وزراء وسياسيون بارزون في الحكومة الإسرائيلية إقناع سموتريش بالعدول عن قراره لكن دون فائدة، مثل مستشار الأمن القومي تساحي هنغبي المقرب من بنيامين نتنياهو، ووزير الداخلية من حزب شاس المتدين، موشيه أربيل.

سموتريش يربط بين التحاق المقدسيين بالجامعات و"الإرهاب والتطرف" وأن تلك المؤسسات التعليمية أصبحت أوكاراً "لجماعات إسلامية متطرفة". كما يعتقد بأن تمويل برامج تنموية للبلديات العربية يعتبر هدراً لموارد الدولة و"معاملة تفضيلية" للعرب، وأنه من باب أولى تمويل "بلديات يهودية ضعيفة".

علاوة على ذلك، أضاف الوزير دون تقديم أي دليل بأن تمويل البلديات العربية "يقع في كثير من الأحيان في أيدي المنظمات الإجرامية والإرهابية التي تستحوذ على المناقصات والميزانيات في العديد من تلك البلديات".

وفي شهر يوليو، نقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل أن سموتريتش كان يفكر باقتطاع 130 مليون شيكل من ميزانية البلديات العربية من أجل تمويل زيادة رواتب طلاب المدارس الدينية اليهودية الأرثوذكسية، لكن تم إقناعه بالعدول عن تلك الخطوة في حينه.

"اختراق مقدسي"

المحلل الإسرائيلي نير حسون يرى بأن ما يخشاه سموتريش فعلياً هو ظهور نخب مقدسية مثقفة ذات خبرة بالمجتمع الإسرائيلي وقادرة على التغلغل في مؤسسات الدولة والمطالبة بحقوق متساوية.

بينما يفسر الباحث الإسرائيلي الدكتور يائير والاش هدف سموتريش من تلك القرارات، هو منع الفلسطينيين المقدسين وعرب إسرائيل من سبل الحياة الكريمة والتضييق عليهم قدر الإمكان لدفعهم للمغادرة أو القبول بدرجة أدنى من الإسرائيليين اليهود.

ويضيف والاش "في 21 أكتوبر 1948، قال ديفيد بن غوريون لمجلس وزرائه إن عرب إسرائيل لهم الآن دور واحد: الفرار، بينما يقول سموتريتش اليوم "إن بن غوريون فشل لأنه لم ينته من مهمة طرد جميع الفلسطينيين. يدور مشروع سموتريش السياسي بأكمله حول إنهاء تلك المهمة".

في العام 2021، صاح نائب الكنيست سموتريش في النواب العرب الذين اعترضوا على خطابه حول ضرورة إبقاء إسرائيل دولة ذات أغلبية يهودية وقال لهم: "أنا لا أتحدث إليكم، أيها المعادون للصهيونية، وأنصار الإرهاب، والأعداء. أنتم هنا عن طريق الخطأ، من الخطأ أن بن غوريون لم يكمل المهمة ولم يطردكم في عام 1948".

سموتريش المتهم بالإرهاب

المفارقة هي أن نفس الوزير الذي قام بقطع التمويل عن الطلبة المقدسيين والبلديات العربية بدعوى محاربة الإرهاب، كان هو نفسه متورط في أنشطة إرهابية في إسرائيل. ففي العام 2005، عثرت الشرطة الإسرائيلية على ٧٠٠ لتر من الوقود في حيازة الشاب والمستوطن المتطرف بتسلإيل سموتريش، حيث قالت الشرطة بأنه كان في طريقه لخط أيالون السريع لتفجيره احتجاجاً على انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من غزة.

جهاز الشاباك الأمني وضع سموتريش رهن الاعتقال لثلاثة أسابيع، وظهر أمام القضاء الإسرائيلي بلباس السجناء البني مقيد اليدين، لكنه لم ينطق بكلمة طوال فترة الاستجواب فأطلق سراحه.

مَن يحكم الضفة الغربية بالفعل؟

بؤرة رامات ميجرون هي مستوطنة إسرائيلية غير شرعية تحت القانون الإسرائيلي نفسه، فهي مبنية على أرض فلسطينية خاصة استولى عليها فتية مسلحون من منظمة شبان التلال الإرهابية وأقاموا فوقها بعض الخيام والمباني البدائية بحوائط من الجبس والخشب.

الجيش الإسرائيلي هدم تلك البؤرة ثلاث مرات في شهر أغسطس فقط عام 2022 بقرار من المحكمة العليا، لكن في كل مرة يعاود المستوطنون محاولة بنائها. ما يشجعهم هو وقوف عضو كنيست يميني نافذ خلفهم هو بتسلإيل سموتريش الذي وصفهم "بالرواد الأبطال الذين لا يستسلمون".

حتى وقت قريب كان سموتريش رئيساً لمنظمة ريغيفيم المتطرفة، والتي تخصص جهدها لتمكين التوسع الاستيطاني على كل شبر من أراضي الضفة المحتلة وإحباط أي محاولة بناء فلسطينية في المنطقة (ج) التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية.

يرى سموتريش أن الفلسطينيين هم من يحتلون ويقومون بالاستيلاء على الضفة الغربية التي يعتبرها أرضاً يهوديةً خالصة.

وفي شهر فبراير الماضي، أصبح سموتريش، المنحدر من أصول أوكرانية، الحاكم الفعلي للضفة الغربية المحتلة بعد اكتسابه صلاحيات الإدارة المدنية وشؤون المستوطنات من وزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي، بالإضافة لتحكمه كوزير المالية في موارد السلطة الفلسطينية وقدرته على خنق الاقتصاد الفلسطيني بالكامل.

محو قرى فلسطينية بالكامل

"بالطبع يجب مسح قرية حوارة، لكن دولة إسرائيل هي من يجب أن يفعل ذلك"، صرح وزير المالية سموتريش في مؤتمر عام بعد قيام المستوطنين بإحراق القرية الفلسطينية. فهو يرى بضرورة أن "تسحق" إسرائيل روح التمرد عند الشعب الفلسطيني، وأنه لا شيء أقل من هزيمة مؤكدة بإمكانها إيقاف العمليات المسلحة ضد إسرائيل.

وفي عام 2017، نشر سموتريش ما أسماه "خطة الإخضاع" وهي رؤيته لمستقبل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة واستمد تلك الرؤية من القائد التوراتي يشوع بن نون كمصدر إلهام "لمحو كل أمل وطني فلسطيني".

الخطة تعطي الفلسطينيين نفس الخيارات الثلاثة التي أعطاها يشوع لأهل أرض كنعان في رسائله المذكورة في التاناخ: اهربوا من البلاد، أو اقبلوا بالعيش هنا "محتقرين ومذلولين لا ترفعون رؤوسكم في إسرائيل"، أو قاوموا "وسيجب ألا نترك نفساً حية بين من يقاوم".

تواصل معنا

حمل التطبيق

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2024 blinx. جميع الحقوق محفوظة