كيف خرجت "العلاقات السامة" من يوتيوب إلى العيادات النفسية؟
على مدار أيام في أكتوبر الماضي، تصدّر موضوع واحد المشهد على منصة "يوتيوب" في ألمانيا: العلاقات السامة. فقد حققت مقاطع فيديو نشرها مؤثرون ملايين المشاهدات وعشرات آلاف التفاعلات، على خلفية نزاع علني واسع الانتشار بين أحد صانعي المحتوى وصديقته السابقة، تخللته اتهامات بسلوكيات مؤذية وغير صحية.
واستغل علماء نفس مثل إلياس يسن هذه النقاشات للحديث عن العلاقات السامة. وأوضح يسن، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، أن هذا المصطلح ليس تشخيصًا سريريًا، لكنه يُستخدم كمفهوم جامع لوصف علاقات مرهقة ومختلة وظيفيًا، وأحيانًا تتسم بالعنف.
ويُعرِّف المعالج النفسي في برلين، ديرك شتمبر، مصطلح العلاقات السامة بأن أطرافها يضر بعضهم بعضًا، غالبًا على المستوى العاطفي وأحيانًا جسديًا.
يضيف "ثانيًا، يكون هؤلاء الأشخاص عالقين في هذا الحراك المؤذي ولا يستطيعون أو لا يريدون التحرر منه رغم معاناتهم"، موضحًا أن الأنماط الأساسية للعلاقات السامة متشابهة سواء على مستوى العلاقات العاطفية أو داخل الأسرة أو بين الأصدقاء أو في مكان العمل أو على الإنترنت، وتشمل "اختلال ميزان القوة، والتلاعب، والإساءة العاطفية".
مخاطر التعرض للسيطرة والعنف
ومن جانبه، يشير يسن إلى أن التوزيع غير المتكافئ للقوة يمكن أن يترك آثارًا سلبية على العلاقات، مشيرًا إلى أن تمتع النساء تاريخيًا بحقوق أقل واعتمادهن على الرجال اجتماعيًا وماليًا بصورة أقوى يزيد من مخاطر تعرضهن للسيطرة والعنف.
وبحسب بيانات المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية الألمانية، بلغ عدد ضحايا العنف الأسري في ألمانيا مستوى قياسيًا في عام 2024.
ووفقًا للإحصاءات، تعرّض نحو 266 ألف شخص لعنف على يد أفراد من الأسرة أو شركاء الحياة خلال تلك الفترة، وكانت نسبة 70.4% من الضحايا من النساء.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا الارتفاع يعكس زيادة فعلية في الحالات أم يعود إلى ارتفاع الاستعداد للإبلاغ.
وأوضح شتمبر أن عواقب العلاقات السامة خطيرة وطويلة الأمد، إذ يمكن أن يؤدي التوتر المستمر إلى اضطرابات في النوم أو القلق أو الاكتئاب، مضيفًا أن من سبق لهم تجربة علاقة سامة غالبًا ما يقعون مجددًا في أنماط مشابهة ما لم تتم معالجة التجربة القديمة.
وفي وسائل التواصل الاجتماعي، يتحدث عدد كبير من المؤثرين عن تجاربهم مع علاقات غير صحية، محققين أرقامًا كبيرة من حيث المشاهدات.
ويرى شتمبر أن في ذلك جانبًا إيجابيًا يتمثل في زيادة التوعية وكسر المحظورات، لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن ذلك قد يدفع الشباب، على وجه الخصوص، إلى تطوير تصورات خاطئة عن شكل العلاقات.
وقال شتمبر إن أهم إشارة تحذيرية لمعرفة ما إذا كان المرء في علاقة سامة هي الشعور الداخلي للشخص نفسه. قائلا "إذا كان المرء يشعر وكأنه يمشي على قشر بيض ولا يعرف ما الذي قد يثير الشريك في اللحظة التالية، فهذه إشارات إنذار واضحة".
وأوضح أن من الأنماط الشائعة أيضًا السيطرة والمراقبة والابتزاز العاطفي أو عزل الطرف الآخر عن محيطه، إضافة إلى التناوب المستمر بين المثالية والحط من القيمة.
ظهور مصطلح الـ"غازلايتينغ"
وفي هذا الإطار، يُشار أيضًا إلى ظاهرة ما يُعرف بالـ"غازلايتينغ"، Gaslighting، أو التلاعب النفسي، حيث يتم التشكيك بشكل منهجي في إدراك الشخص لواقعه.
ويرجع المصطلح إلى مسرحية "Gas Light" للكاتب البريطاني باتريك هاملتون، التي تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حيث يجعل الزوج زوجته تشك في سلامة إدراكها رغم أنه المسؤول عن الظواهر التي تلاحظها.
وتلاحظ بطلة المسرحية أن مصباح الغاز يرتعش ويخفت ضوؤه ليلًا، ويُوهمها زوجها تدريجيًا بأنها مصابة بالجنون، مع أنه هو المسؤول عن انخفاض ضغط الغاز في المصباح.
وأكد يسن أن كلاً من العلاقات السامة و"الغازلايتينغ" ليست مصطلحات تشخيصية، لكنه يرى أن انتشار هذه المفاهيم يُسهّل تبادل الخبرات.
وبينما حذّر شتمبر من تضخيم استخدام هذه المصطلحات، قال يسن "أُفضِّل أن يتحدث الناس عن العلاقات السامة أو الاكتئاب أو ما شابه بشكل غير دقيق أحيانًا ويحققوا على المدى الطويل أثرًا تعليميًا من ذلك، بدلًا من عدم التحدث عن هذه الأمور إطلاقًا".