"زر إيقاف" صيني يربك "التحوّل الأخضر" في بريطانيا
في ظل تصاعد المخاوف الغربية من التغلغل التكنولوجي الصيني في البنى التحتية الحساسة، أثار تقرير بريطاني جدلا واسعاً حول اعتماد مئات الحافلات الكهربائية في بريطانيا على تقنيات اتصال قد تتيح تعطيلها عن بعد، بالتزامن مع نقاشات سياسية وأمنية أوسع تتعلّق بعلاقة لندن مع بكين وموقع الاستثمارات الصينية داخل العاصمة البريطانية.
يربط تقرير نشرته صحيفة
التلغراف بين التحوّل الأخضر في قطاع النقل، والهواجس السيادية والأمنية، في لحظة سياسية دقيقة تشهد إعادة تقييم للعلاقة مع الصين.
"زر الإيقاف" الصيني ومخاوف الأمن السيبراني
كشف التقرير أن مئات الحافلات الكهربائية العاملة في شوارع بريطانيا، ومعظمها من طرازات تنتجها شركة صينية، مزوّدة بشرائح اتصال وإنترنت عبر بطاقات "سيم" مدمجة، تُستخدم رسميا لتحديث البرمجيات ومتابعة الأداء.
وأقر خبراء أمنيين في وزارة النقل البريطانية والمركز الوطني للأمن السيبراني بأن هذه البنية تجعل من الممكن تقنيا تعطيل الحافلات عن بُعد، فيما يُعرف بـ "زر الإيقاف".
أُطلقت التحقيقات بعد تحذيرات مشابهة في النرويج، حيث أُثيرت مخاوف من قدرة المُصنّع على تعطيل البطاريات أو جعل المركبات غير صالحة للعمل.
ورغم عدم وجود أدلة على استخدام هذا الخيار فعليا، فإن مجرد الإمكانية التقنية أثارت قلقا داخل المؤسسات الأمنية البريطانية، خاصة في ظل اعتماد متزايد على هذه الحافلات ضمن خطط خفض الانبعاثات الكربونية، وتوسّع استخدامها في مدن رئيسية وعلى شبكات نقل عامة تخدم ملايين الركّاب يوميا.
المعضلة السياسية بين الأمن والاستثمار
يوضح التقرير أن الحكومة البريطانية تجد نفسها أمام معادلة معقدة، إذ تدفع، من جهة، سياسات التحول الأخضر والحد من الانبعاثات إلى الاعتماد على الحافلات الكهربائية منخفضة الكلفة، والتي تُعد الشركات الصينية من أبرز مورّديها عالميا.
ومن جهة أخرى، تثير هذه الخطوة اعتراضات داخل البرلمان، خصوصا من نواب يرون أن السماح للصين بالتمركز داخل قطاعات النقل والطاقة والمياه والاتصالات يمثّل خطرا استراتيجيا طويل الأمد.
ونقلت مصادر حكومية أن الوزراء لا يملكون أساسا قانونيا لحظر هذه الحافلات في غياب دليل قاطع على سوء استخدام، وأن أي خطوة من هذا النوع قد تؤدي إلى توتير العلاقات الدبلوماسية مع بكين.
في المقابل، تشير الصحيفة إلى أن لندن ما زالت تراهن على الاستثمارات الصينية كرافعة للنمو الاقتصادي، خصوصا في مشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة، ما يجعل ملف الأمن القومي خاضعا لحسابات سياسية واقتصادية متشابكة.
سفارة صينية قرب مواقع حساسة في لندن
في سياق متصل، يلفت التقرير إلى جدل متصاعد حول موافقة الحكومة البريطانية على إنشاء مجمع جديد للسفارة الصينية في قلب لندن.
يقع موقع السفارة المقترح، بحسب ما أوردته الصحيفة، قريبا من بنى تحتية شديدة الحساسية، تشمل كابلات أرضية تنقل بيانات مالية حيوية، إضافة إلى منشآت تحت الأرض يُعتقد أنها تُستخدم لأغراض أمنية وسيادية.
أثار هذا القرب الجغرافي اعتراضات داخل الأوساط السياسية والأمنية، حيث يرى منتقدون أن المسألة لا تتعلق بمبنى دبلوماسي تقليدي، بل بوجود صيني متقدّم في منطقة بالغة الحساسية.
ويضع التقرير هذا الجدل في إطار أوسع من القلق المتنامي حيال النفوذ الصيني داخل العاصمة البريطانية، سواء عبر التكنولوجيا، أو الاستثمارات، أو التمثيل الدبلوماسي المكثّف.
وبينما تؤكد الحكومة أن لا أدلّة على نية عدائية، يرى معارضو المشروع أن تراكم هذه الملفات، من الحافلات الذكية إلى مواقع السفارات، يفرض على لندن إعادة نظر شاملة في كيفية موازنة الانفتاح الاقتصادي مع متطلبات الأمن القومي، خاصة في مرحلة تشهد تنافسا حادا بين القوى الكبرى على النفوذ التكنولوجي والسيادي.