كيف تدفع هشاشة العلاقة الأميركية- الكندية أوتاوا إلى حضن الصين؟
بعد تصعيد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحربه التجارية مع أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة، نظرت كندا إلى الصين، "عدوها" القديم، بحثا عن أرضية مشتركة.
ففي صورة كانت ستبدو غير مفهومة قبل عام، وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الصيني شي جين بينغ جنبًا إلى جنب، يتصافحان ويبتسمان على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية، في أواخر أوكتوبر، وفق تقرير لشبكة سي إن إن الإخبارية.
وكانت العلاقة بين بكين وأوتاوا قد تدهورت في عام 2018 عندما ألقت الشرطة الكندية القبض على المديرة التنفيذية للتكنولوجيا الصينية منغ وانزهو في فانكوفر بتهم احتيال أميركية.
وبعد أيام، احتجزت بكين كنديين إثنين، هما مايكل كوفريج ومايكل سبافور، بتهم تجسس وصفتها كندا بأنها زائفة، ليطلق سراح الإثنين بعد ما يقرب من ٣ سنوات بعد أن أسقطت الولايات المتحدة طلب تسليم منغ.
وأدى الصراع الدبلوماسي إلى توتر العلاقة وولّد انعدام ثقة عميقا بين أوتاوا وبكين. ولكن مع تصعيد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحربه التجارية مع أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة، نظرت كندا إلى الصين.
فهل يدفع التصعيد التجاري مع واشنطن، أوتاوا إلى أحضان الصين، وما التغييرات الجيوسياسية الكامنة في تقارب مفاجئ بين بلدين كانا على طرفي نزاع حاد قبل سنوات فقط؟
بداية التقارب بين أوتاوا وبكين
بدأت الأمور في التحول في أوائل أكتوبر عندما زارت كبيرة الدبلوماسيين الكنديين أنيتا أناند، بكين للقاء نظيرها وانغ يي. بعد ذلك، التقى رئيس الوزراء مارك كارني والرئيس شي جين بينغ على هامش قمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية، وهي المرة الأولى التي يلتقي فيها رئيسا البلدين منذ ٨ سنوات.
وشكّل هذا الاجتماع، الذي استمرّ 40 دقيقة، "نقطة تحول" في العلاقات بين كندا والصين، حيث تعهدا بتحسين العلاقات والتعاون التجاري، وفقا لبيان كندي صدر عقب الاجتماع، والذي ذكر أيضًا أن كارني يعتزم زيارة شي في الصين.
ووفق تقرير الشبكة الأميركية فقد أعقبت هذا اللقاء زيارة وزارية أخرى إلى الصين، واتصالات هاتفية رفيعة المستوى. كما أعادت الصين كندا إلى قائمة السفر المعتمدة للمجموعات السياحية، في خطوة يُتوقع أن تعزز السياحة في كندا.
"تحذير من استغلال صيني لكندا"
لكن مع إشارة القادة في أوتاوا وبكين إلى أنه قد يكون الوقت قد حان لاستئناف الأعمال التجارية، يحذر بعض الخبراء من أن الصين قد تحاول استغلال كندا في لحظة حرجة.
قال كوفريج، الذي واصل عمله كمستشار أول لمجموعة الأزمات الدولية منذ إطلاق سراحه من الاحتجاز في الصين، إن الصين تريد "إثارة خلاف كبير بين كندا والولايات المتحدة".
وأضاف: "آخر ما تريده الصين هو غرب قوي وموحد يحاول كبح طموحاتها العالمية".
لدى كلا الجانبين حوافز اقتصادية للتفاهم. في العام الماضي، فرضت كندا ضريبة بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، بالتعاون مع الولايات المتحدة، لحماية سوقها المحلي مما وصفته بالمنافسة غير العادلة من شركات صناعة السيارات الصينية المدعومة من الدولة.
ثم في مارس، أعلنت الصين عن رسوم جمركية انتقامية على المنتجات الزراعية والغذائية الكندية، بما في ذلك ضريبة بنسبة 100% على زيت الكانولا وعجينته. وفي أغسطس، أضافت الصين رسوما جمركية بنسبة 75.8% على بذور الكانولا، مما أضرّ بالمزارعين الكنديين وأغلق فعليا ثاني أكبر سوق لهذا المحصول في كندا.
بموازاة هذه الحرب التجارية، صعّدت الولايات المتحدة بشكل متزايد حربها الاقتصادية على جارتها الشمالية. وعندما بدت المفاوضات التجارية بين ترامب وكارني وكأنها تُحرز تقدمًا، أوقف ترامب المحادثات فجأةً الشهر الماضي بعد إعلان مثير للجدل ضد التعريفات الجمركية من قِبَل حكومة إقليم أونتاريو، المقاطعة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في كندا.
والآن مع بروز الولايات المتحدة كأكبر تهديد اقتصادي لكندا، لم تعد أوتاوا قادرة على تحمل حرب تجارية مع أكبر اقتصادين في العالم. بالنسبة للكثيرين، جعل ذلك الصين خيارا أكثر جاذبية.
وتقول لينيت أونغ، مديرة مختبر حوكمة الصين في كلية مونك للشؤون العالمية بجامعة تورنتو، إن نبرة كندا تجاه الصين شهدت "تحولا جذريا" خلال الأشهر الأخيرة.
وأضافت أونغ: "ما رأيناه حتى الآن هو تعبير عن نوع من النيات المختلفة تجاه الصين.. ونية إعادة التفكير في علاقتنا مع الصين بشكل جذري". "هذا تحول كبير نشأ من الضرورة"، بحسب ما نقلته شبكة سي إن إن.
وكان دوغ فورد، رئيس وزراء إقليم أونتاريو وأحد أشدّ منتقدي ترامب، دعا كندا إلى تحسين علاقاتها مع الصين، خلال اجتماع لرؤساء وزراء البلاد في يوليو.
وقالت بكين إنّها ستلغي رسوم الكانولا إذا فعلت أوتاوا الشيء نفسه بالنسبة للسيارات الكهربائية الصينية.
وقال فورد، وفقا لوكالة الأنباء الكندية: "عدو عدونا صديقنا، ولا أعتبر الأميركيين عدوا، لكن ترامب نفسه يتصرف الآن كعدو".
ويبدو أن الرأي العام يتفق مع هذا الرأي. فقد وجدت استطلاعات الرأي الأخيرة أن 46% من الكنديين أكثر ميلا إلى التعامل مع الولايات المتحدة على أنها تشكل تهديدا مقابل 34% تجاه الصين. ومع ذلك، لا يزال معظم الكنديين ينظرون إلى الصين نظرة سلبية.
وقال فين هامبسون، أستاذ المستشار في جامعة كارلتون في العاصمة الكندية: "الاستراتيجية الواضحة هنا هي أنّه عندما تُستبعد من سوق التصدير الرئيسي وتُفرض عليك رسوم جمركية عقابية إلى حدّ كبير في بعض القطاعات الرئيسية.. ستبحث عن شركاء آخرين". مع ذلك، تُخاطر أوتاوا بعزل واشنطن أكثر إذا ما انحازت إلى بكين، وفق هامبسون.