سياسة

التنافس من المتوسط إلى الأحمر؟.. تركيا تنقب في ثروات الصومال

نشر
blinx
أرسلت تركيا سفينة الحفر في المياه العميقة، تشاغري بي، إلى الصومال في مهمة وُصفت رسميا بأنها أول عملية تنقيب بحرية لأنقرة خارج مناطق عملها البحرية المعتادة، في خطوة تأتي ضمن مسار متسلسل من الاتفاقيات الأمنية والطاقية بين البلدين، ووسط بيئة إقليمية متوترة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وفق ما أوردته رويترز وتقارير بحثية ودولية متخصصة.
وتُظهر الوثائق والاتفاقيات الموقعة بين أنقرة ومقديشو أن التحرك التركي لا يقتصر على إرسال سفينة حفر واحدة، بل يرتبط بإطار تعاون أوسع يشمل تقاسم إنتاج الطاقة، وتأمين العمليات بغطاء بحري وعسكري، وتوسيع نطاق العمل من المسوحات الزلزالية إلى الحفر البحري والبري.

تركيا تنقب في ثروات الصومال.. هل ينتقل التنافس من المتوسط إلى الأحمر؟ (أ.ف.ب)

وتصف المصادر هذه التطورات بأنها جزء من "استراتيجية الانفتاح التركي على أفريقيا" وتعزيز الحضور في الممرات البحرية الاستراتيجية.

أول مهمة حفر عميق خارج المجال البحري التركي

بحسب رويترز، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار أن أنقرة أرسلت سفينة الحفر تشاغري بي إلى المياه الصومالية، واصفا الخطوة بأنها "لحظة تاريخية" في جهود تركيا لاستكشاف النفط والغاز.
وتحدث بيرقدار، وفق تقرير لموقع تركيش مينيت، عن أن عمليات الحفر المخطط لها ستجري في أعماق تصل إلى نحو 3 آلاف إلى 3480 مترا تحت سطح المياه، مع امتداد عدة كيلومترات أسفل قاع البحر، واصفا العمليات بأنها عالية التعقيد تقنيا.
وأوضح أن السفينة ستبدأ الحفر في أبريل في بئر كوراد-1 قبالة السواحل الصومالية، لتكون أول عملية استكشاف بحري تركية خارج مناطق الملاحة المعتادة.

تركيا تنقب في ثروات الصومال.. هل ينتقل التنافس من المتوسط إلى الأحمر؟ (أ.ف.ب)

وقال بيرقدار خلال مراسم في ميناء طاش أوجو بولاية مرسين إن السفينة، التي انضمت حديثا إلى أسطول التنقيب التركي، يُتوقع أن تصل إلى الصومال خلال نحو 45 يوما، وسترافقها ثلاث سفن حربية من البحرية التركية.
ويشير نطاق انتشار الأسطول التركي، بحسب تقرير نشرته ديلي صباح، إلى اتساع جغرافي في نشاط الحفر يتجاوز البحار القريبة من تركيا مثل البحر الأسود وشرق المتوسط، إذ أوضح وزير الطاقة أن سفينة تشاغري بي ستسلك طريقا بحريا طويلا لا يمر عبر قناة السويس بل عبر المحيط الأطلسي والساحل الغربي لأفريقيا وصولا إلى مقديشو، في رحلة بحرية طويلة، كما أكد أنها أول سفينة حفر تركية تُنشر خارج المياه التركية، بعد أن سبقتها فقط سفينة الأبحاث الزلزالية "أوروتش رئيس" إلى المياه الصومالية.

تسلسل الاتفاقيات الطاقية بين أنقرة ومقديشو

وفق نص اتفاق الهيدروكربونات الموقع بين حكومتي تركيا والصومال، فإن الجانبين اتفقا على إطار تعاون شامل في مجالات الاستكشاف والإنتاج في القطاعات البرية والبحرية، مع منح الجهة التركية المعينة حقوقا حصرية في تنفيذ عمليات البترول داخل مناطق التعاقد، والدخول في اتفاقيات تقاسم إنتاج مع الحكومة الفيدرالية الصومالية.
وبحسب النص، فإن الاتفاق الموقع في إسطنبول في 7 مارس 2024 وجرى لاحقا نشره ضمن إجراءات المصادقة البرلمانية، عُرض رسميا باعتباره مكونا رئيسيا في "استراتيجية الانفتاح على أفريقيا" التركية، التي تصنّف الصومال دولة أولوية بسبب موقعها البحري الاستراتيجي ومواردها غير المستغلة.
وتقدّر المبررات الرسمية المرفقة بالاتفاق احتياطيات الغاز المؤكدة في الصومال بنحو 6 مليارات متر مكعب، وإمكانات هيدروكربونية بحرية قد تصل إلى 30 مليار برميل.
كما يُظهر نص الاتفاق، أن الجهات التركية مُنحت إعفاءات من رسوم التوقيع والتطوير والإنتاج والرسوم الإدارية، كما يتيح هيكل استرداد تكاليف يسمح باستعادة ما يصل إلى 90 بالمئة من الإنتاج السنوي من النفط أو الغاز كـ"نفط تكلفة".
كما يحدد سقف العائدات الملكية للصومال عند 5 بالمئة، مع منح الجانب التركي حق تصدير حصته بالأسعار العالمية والاحتفاظ بعائداتها، إضافة إلى إمكانية تحويل الحقوق إلى أطراف ثالثة دون إلزام بإنشاء شركة محلية.

لماذا الصومال؟

أفادت رويترز بأن وزير الطاقة التركي قال إن تركيا تستهدف إنتاج 500 ألف برميل يوميا من النفط أو ما يعادله من المواد الهيدروكربونية بحلول عام 2028، مضيفا أن أنقرة تتوقع مضاعفة هذه الكمية عبر الاكتشافات الجديدة واتفاقيات تقاسم الإنتاج في الخارج.
ووفق تقرير تركيش مينيت، استكملت الفرق التركية أعمال المسح الزلزالي ثلاثي الأبعاد في عدة مربعات بحرية مخصصة لشركة البترول التركية، بعد نشر سفينة الأبحاث "أوروتش رئيس" في المياه الصومالية منذ أكتوبر 2024 بمرافقة بحرية بسبب المخاطر الأمنية، تمهيدا لمرحلة الحفر.
كما أكد الوزير أن الخطط لا تقتصر على الحفر البحري، بل تشمل بدء الحفر البري أيضا، مع التحضير لمناقصات إنشاء طرق وبنية تحتية للوصول إلى مواقع الحفر الداخلية، في ظل إقراره بوجود تحديات لوجستية وأمنية.

الحماية العسكرية وتأمين العمليات

بحسب نورديك مونيتور، وافق البرلمان التركي على تمديد مهمة الانتشار البحري في خليج عدن والمياه الصومالية وبحر العرب لمدة عام إضافي بدءا من فبراير 2026، مع منح الرئيس رجب طيب أردوغان صلاحيات واسعة لتحديد نطاق وتوقيت وطبيعة العمليات. ويعود أصل هذه المهمة إلى عام 2009 في ذروة تهديدات القرصنة قبالة الصومال، ويتم تجديدها بشكل شبه سنوي.
نقل تقرير من صحيفة حرييت ديلي نيوز أن وزارة الدفاع نشرت مجموعة مهام بحرية في خليج عدن والمياه الصومالية والبحر العربي لتأمين ودعم العمليات اللوجستية المرتبطة بنشاط البحث والحفر للسفينة وتقديم الإسناد اللوجستي والحماية للعمليات الطاقية في المياه الصومالية، في إطار اتفاق دفاعي-اقتصادي مدته عشر سنوات وُقع في فبراير 2024 لتعزيز أمن الملاحة ومكافحة القرصنة وحماية الموارد الطبيعية.
كما يورد تقرير المعهد الملكي للخدمات المتحدة، روسي، أن التعاون الأمني التركي مع الصومال يعود إلى اتفاق تدريب عسكري وُقّع عام 2012، ونشرت بموجبه تركيا أفرادا عسكريين لدعم إعادة بناء الجيش الصومالي، وافتتحت قاعدة "توركسوم" في مقديشو عام 2017، وهي أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج البلاد، إلى جانب إدارة شركات تركية لميناء ومطار مقديشو واستثمارات في البنية التحتية والاستكشاف الهيدروكربوني في مساحات بحرية واسعة.

التوتر الإقليمي وملف أرض الصومال

تأتي هذه التحركات في سياق إقليمي متوتر، حيث أفاد تقرير لإذاعة فرنسا الدولية أن الشراكة التركية-الصومالية تعمقت في ظل تصاعد التوتر بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال في ديسمبر 2025، وهي خطوة أدانتها أنقرة واعتبرتها تهديدا لوحدة الأراضي الصومالية.
وذكرت إذاعة فرنسا الدولية أن تركيا نشرت طائرات مقاتلة إف-16 في مقديشو أواخر يناير، وقال مسؤولون أتراك إن الهدف حماية المصالح التركية ودعم الجهود الصومالية ضد حركة الشباب، بينما اعتبر خبراء تحدثوا للإذاعة أن الصومال أصبح ساحة توتر في التنافس التركي-الإسرائيلي في القرن الأفريقي.
وبحسب تحليل معهد روسي، فإن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال أثار جدلا قانونيا وسياسيا، وقد يسهم في تسريع التنافس الجيوسياسي بين تركيا وإسرائيل عبر القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في وقت تتشابك فيه حسابات الأمن البحري والطاقة والممرات الاستراتيجية.

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة