"لافتة بصريا كالذهب، وتشكّل عامل جذب خاص للأطفال، لكن إذا التقطتها ستنفجر".. إنها الذخائر غير المنفجرة في غزة من مخلفات القصف الإسرائيلي على القطاع المحاصر.
يحذّر خبير إبطال المتفجرات البريطاني السابق نيكولاس أور العائد من غزة أن القطاع الفلسطيني مليء بالذخائر غير المنفجرة التي سيستغرق إزالتها سنوات، ما يعرض سكانه، خصوصا الأطفال منهم، لخطر الموت أو الإصابة "بوحشية مطلقة".
وقال أور، خبير إبطال الألغام العسكري السابق في المملكة المتحدة، لوكالة فرانس برس بعد مهمة إلى القطاع المدمّر جراء الحرب بين إسرائيل وحركة حماس "نخسر شخصين يوميا بسبب الذخائر غير المنفجرة في الوقت الحالي".
ووفقًا لأور، فإن معظم الضحايا هم الأطفال الذين أبعدتهم الحرب عن مقاعد الدراسة وحرمتهم ألعابهم، فباتوا يتوقون للقيام بنشاطات لتمضية الوقت، منها البحث بين أنقاض المباني المدمرة.
وأوضح أنهم "يشعرون بالملل، فيتفقدون الأرجاء ليجدوا شيئا يثير فضولهم، فيحاولون اللعب به".
وتقدر الأمم المتحدة أن إزالة كل القنابل غير المنفجرة في غزة قد يستغرق 14 عاما.
فماذا قال أطفال فقدوا أطرافهم بسبب تلك الذخائر؟ وما نسبة الذخائر غير المنفجرة في غزة؟
اعرف أكثر
من بين الضحايا كان أحمد عزام (15 عاما) الذي فقد ساقه بسبب ذخيرة غير منفجرة بين أنقاض منزله في مدينة رفح بجنوب القطاع، والذي عاد إليه بعد شهور من النزوح.
وقال عزام لفرانس برس "كنا نتفقد المكان فكان هناك جسم مشبوه" من مخلفات القصف، مضيفا "لم اكن أعلم انه قابل للانفجار، فجأة انفجر وأدى لإصابتي بجروح في جسمي وجروح بالغة في ساقيّ الاثنتين، ما أدى إلى بتر إحداهما".
وكان عزام واحدا من مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين عادوا إلى ديارهم بعد سريان الهدنة في 19 يناير بعد أكثر من 15 شهرا من الحرب، قبل أن تستأنف إسرائيل ضرباتها الجوية وعملياتها العسكرية في مارس.
لكن العودة كانت محفوفة بالمخاطر بالنسبة لعزام وغيره من الأطفال.
في حين أقر أور الذي قام بمهمة في غزة لصالح منظمة "هانديكاب إنترناشونال" الخيرية، أن أحدا ليس في مأمن من خطر الذخائر غير المنفجرة، شدد على أن الأطفال هم عرضة بشكل خاص لمخاطر الإصابة بسببها.
وأضاف "بعض الذخائر لافتة بصريا كالذهب، لذا فهي تشكّل عامل جذب خاص للأطفال"، متابعا "إذا التقطتها ستنفجر، وهذا يعني النهاية".
وفي ظل استمرار القتال في القطاع والقيود على دخول المساعدات الانسانية، تبقى البيانات المتوافرة قليلة. لكن في يناير، قالت دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعقلة بالألغام إن "ما بين 5 و 10%" من الذخائر التي أُطلقت على قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لم تنفجر.
وقالت الوكالة إن إزالة كل القنابل غير المنفجرة قد يستغرق 14 عاما.
قالت ألكسندرا سايح من منظمة "سايف ذا تشيلدرن" إن الذخائر غير المنفجرة أصبحت مشهدا شائعا في قطاع غزة.
أضافت "عندما تذهب طواقمنا إلى الميدان، ترى الذخائر غير المنفجرة طوال الوقت"، مؤكدة أنها "متناثرة في غزة".
وأكدت سايح أن "الوضع كارثي" بالنسبة للأطفال الذين يفقدون أطرافهم، مشيرة الى أنهم "يحتاجون إلى رعاية متخصصة وطويلة الأمد، غير متوافرة في غزة".
وفي مطلع مارس، حظرت إسرائيل دخول المساعدات الانسانية الى القطاع المحاصر قبل أن تستأنف عملياتها العسكرية. وشمل ذلك الإجراء الأطراف الاصطناعية التي كان من الممكن أن تساعد في تجنب فقدان الحركة على المدى الطويل، وفق صايح.
أوضح أور أن الذخائر غير المنفجرة تأتي بأشكال مختلفة. وأشار الى أنه في شمال غزة حيث دارت معارك برية على مدى أشهر، تنتشر ذخائر مثل "قنابل الهاون، والقنابل اليدوية، والكثير من الرصاص".
أما في رفح، حيث كانت الغارات أكثر كثافة من القتال البري، فتنتشر "ذخائر المدفعية والذخائر التي تمّ إسقاطها من الجو"، ويصل وزن بعضها الى عشرات الكيلوغرامات، بحسب أور.
وأكد أور أنه لم يتمكن من الحصول على إذن لإزالة القنابل غير المنفجرة في غزة، إذ يمكن أن تصنّفه إسرائيل بالخطأ، عنصرا يحاول تحويل هذه الذخائر إلى عتاد قابل للاستخدام.
وأضاف أنه بينما أنه يمكن للتوعية أن تساعد سكان غزة على تجنب خطر هذه الذخائر، لكن الرسالة لا تعمّم دائما بالسرعة المطلوبة. وقال "يرى البعض آخرين يقومون بنقلها، ويعتقدون أنهم قادرون على القيام بالأمر ذاته".
وحذّر من أنه يصعب على الأشخاص العاديين معرفة أي من الذخائر ستنفجر في حال تحريكها من مكانها، مؤكدا أن الأمر لا يستحق عناء المخاطرة.
أضاف "الأمر أشبه بمقامرة مع الاحتمالات، ببساطة إنها لعبة أرقام".