هل يبرم ترامب صفقاته على حساب أميركا ويدفع الحلفاء نحو الصين؟
رغم المكالمة العلنية الأولى "الإيجابية للغاية" الأربعاء، حسب وصف الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بعد أشهر مضطربة، فإن الرئيس الجمهوري وبعد مرور عام على ولايته الثانية، "يبدو أن تهديداته وتراجعاته وتقلباته تُرهق الحلفاء والخصوم على حد سواء"، وفق تقارير أميركية.
فالرئيس ترامب، الذي يعتبر نفسه خبيراً في إبرام الصفقات، وفق
تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز"، لم يُخفِ اعتقاده بأن سرّ النجاح في المفاوضات يكمن في إبقاء الطرف الآخر في حالة عدم استقرار.
يقول مسؤولون في البيت الأبيض إن أسلوب ترامب التفاوضي قد أثمر نتائج، مشيرين إلى اتفاقيات تجارية واتفاقيات سلام جديدة أبرمها خلال العام الماضي.
مع ذلك، حتى بعض حلفاء ترامب يعترفون سرًا بأنّ ميله إلى عدم القدرة على التنبؤ له عيوب، غالبًا ما تكون على الاقتصاد.
هذا النهج أدى إلى تراجع ثقة الدول في التزام الولايات المتحدة بوعودها، ما دفعها نحو بعضها البعض، والأهم من ذلك، نحو الصين.
على صعيد العلاقة بين واشنطن وبكين، فالرئيس ترامب أصبح أكثر تسامحًا بشكل ملحوظ تجاه الصين في ولايته الثانية، وفق صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية. فما ثمن أسلوب ترامب غير المتوقع على الحلفاء والخصوم؟
يقول تيموثي إل. أوبراين، كاتب سيرة ترامب: "إن ما يصفه ترامب بأنه عدم القدرة على التنبؤ هو في الواقع قلق بشأن حظوظه الانتخابية".
أضاف: "هو يدرك أنه مقبل على انتخابات نصفية قد تكون شاقة، ولذا فهو يلجأ إلى هذه المحاولات لكسب تأييد الناخبين، وإثبات سيطرته، والسعي للانتقام من خصومه المزعومين، لكنني لا أعتقد أن الأمر له علاقة بعدم القدرة على التنبؤ في سبيل إبرام صفقات كبيرة"، وفق "نيويورك تايمز".
الشهر الماضي، قام رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بزيارة دولة تاريخية إلى الصين، أعلن خلالها مع الرئيس الصيني شي جين بينغ عن خفض الرسوم الجمركية على مجموعة من المنتجات وفتح السوق الكندية أمام السيارات الكهربائية الصينية، إلى جانب تدابير أخرى.
وقال كارني: "فيما يتعلق بمسار تطور علاقتنا مع الصين في الأشهر الأخيرة، فقد أصبح أكثر قابلية للتنبؤ، ونرى نتائج ملموسة لذلك".
وأعلنت وزارة الخارجية الكندية، عند إبرام الاتفاق، أنه يعكس الحاجة المُلحة لتنويع اقتصاد البلاد في "عالم منقسم وغير مستقر".
ثم ألقى كارني خطابًا في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، حيث قال إن هناك "شرخًا" في النظام العالمي. لم يذكر ترامب صراحةً، لكن كان من الواضح أنه يُحمّله مسؤولية الأعمال العدائية.
وبعد تهديده بضم غرينلاند من الدنمارك، تراجع ترامب فجأة، ولكن بعد أن أشار حلفاؤه الغاضبون إلى أنه قد حان الوقت للتوقف عن اعتبار الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا به.
اعتراف الإدارة الأميركية بنفوذ الصين
وفق تحليل لصحيفة "لوفيغارو" فإن لهجة ترامب تغيرت تجاه بكين. فبدلًا من التنديد بالخطر الذي تمثله القوة الصينية الجديدة، والذي كان، إلى جانب الهجرة غير المنضبطة، من أهم أولوياته السياسية في ولايته الأولى، يتحدث الرئيس الأميركي الآن عن نظيره الصيني باحترام لا يُظهره دائمًا لنظرائه الأجانب.
فالمواجهة التجارية التي بدأت في الربيع الماضي بفرض تعريفات جمركية على الصادرات الصينية، لم تكن في صالح الولايات المتحدة، حيث جاء الرد الصين فورا باتخاذ بكين إجراءات انتقامية، وكشفت أيضًا، وللمرة الأولى، عن اعتماد أميركا الاستراتيجي على العناصر الأرضية النادرة، التي تهيمن على استخراجها وتصديرها.
ومثّلت الهدنة المعلنة في أكتوبر الماضي اعترافًا نادرًا من جانب الولايات المتحدة بحدود قوتها الاقتصادية.
كما شهدت الاستراتيجية الأميركية الرسمية تجاه بكين تحولًا. فبدلاً من تصنيف الصين كخصم رئيسي- تضع الاستراتيجية الأميركية الجديدة الصين في المرتبة الثانية فقط، بعد نصف الكرة الغربي، الذي أصبح مصدر القلق الأمني الرئيسي.
ويبدو أن استراتيجية الدفاع الأميركية الجديدة تُقرّ بحتمية النفوذ الصيني. "تُعدّ الصين، من جميع النواحي، ثاني أقوى دولة في العالم بعد الولايات المتحدة، وأقوى دولة بالنسبة لنا منذ القرن الـ١٩"، هذا ما جاء في الوثيقة التي نشرها البنتاغون في 23 يناير. وتتمثل الاستراتيجية الجديدة الناتجة في "ردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بالقوة، لا بالمواجهة".
والأربعاء، وصف ترامب المكالمة مع شي بأنها "إيجابية للغاية"، وأشاد بالعلاقة بين الزعيمين ووصفها بأنها "ممتازة"، معلنا عزمه زيارة بكين في أبريل، رغم أن المسؤولين الصينيين لم يؤكدوا الزيارة.