سياسة

من كراكاس إلى بغداد.. لماذا يثير نهج ترامب ذكريات العراق؟

نشر
blinx
عندما سأل مراسل مجلة ذا أتلانتيك الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أعقاب اعتقال نيكولاس مادورو، عمّا إذا كانت واشنطن تخاطر بتكرار فشلها قبل عقدين في العراق، جاء رد ترامب حادّا ورافضا للمقارنة: "أنا لست مسؤولا عن العراق. ذلك كان بوش. عليكم أن تسألوا بوش هذا السؤال، لأننا ما كان يجب أن نذهب إلى العراق أصلا. ذلك ما بدأ كارثة الشرق الأوسط".
لم يكن هذا الرد مجرد نفي سريع، بل محاولة صريحة من ترامب لقطع أي تشابه بين اعتقال مادورو واعتقال صدام حسين عام 2003. غير أن هذه المقارنة سرعان ما عادت إلى الواجهة، ليس فقط بسبب طبيعة العملية العسكرية، بل أيضا بفعل تصريحات ترامب نفسه.
فبحسب ما نقلته صحيفة ذا هيل، رفض الرئيس الأميركي تشبيه فنزويلا بالعراق مؤكدا أن الفارق الجوهري هذه المرة هو النفط، قائلا إن إدارة جورج بوش "لم تحتفظ بالنفط"، بينما تعتزم إدارته الاحتفاظ بالنفط الفنزويلي، إعادة بناء منشآته، وتمويل التدخل من عائداته.
أعاد ترامب بهذا الخطاب إحياء منطق قديم سبق غزو العراق، حين قُدّم النفط بوصفه الحل الذي سيغطي كلفة الحرب ويؤمّن إعادة الإعمار، وهو منطق يرى فيه كثير من المحللين السبب ذاته الذي يجعل تشبيه فنزويلا بالعراق اليوم أمرا يصعب تجاهله.

التحدّي لواشنطن.. سمة مشتركة بين القادة المُطاح بهم

وضع تحليل شبكة سي إن إن اعتقال مادورو ضمن سياق تاريخي أوسع للانقلابات والتدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية. في كتابه "الإطاحة: قرن أميركا في تغيير الأنظمة من هاواي إلى العراق" اعتبر الباحث ستيفن كينزر أن مادورو يشترك مع قادة كثر أُطيح بهم خلال القرن الماضي في سمة أساسية: رفضهم الاعتراف بحق الولايات المتحدة في الهيمنة على بلدانهم ومحيطهم الإقليمي.
قال كينزر إن واشنطن "تجد هذا النوع من التحدي غير مقبول"، ما يجعل ما يجري اليوم في فنزويلا "عودة إلى المستقبل"، أي استئنافا لنمط قديم من فرض الإرادة الأميركية بالقوة.
هذا المنطق، تضيف سي إن إن، لا يقوم بالضرورة على نشر الديمقراطية، بل على إعادة رسم موازين النفوذ، حتى لو كان ذلك عبر دعم أنظمة غير ديمقراطية طالما أنها "في الصف".

وجه الشبه بين العراق وفنزويلا.. إسقاط الرأس لا إسقاط النظام

ذهبت تقارير فورين بوليسي وذا ناشونال إنترست أبعد في المقارنة بين الحالتين العراقية والفنزويلية، معتبرة أن ما جرى هو "قطع الرأس" لا تفكيك النظام.
في العراق، لم يؤدِّ اعتقال صدام حسين إلى انهيار الدولة أو تفكك الأجهزة التي بناها حزب البعث، بل فتح الباب أمام مقاومة مسلّحة، وفوضى أمنية، وصراع طويل على السلطة.
وفي فنزويلا، تشير التقارير إلى أن معظم أعمدة النظام ما زالت قائمة: الجيش، الأجهزة الأمنية، الحزب الحاكم، وشبكات المصالح الاقتصادية. كما حدث في العراق تماما، حيث بقيت بنية النظام فاعلة حتى بعد سقوط رأسه.
لفتت فورين بوليسي إلى تشابه لافت في الخطاب: نشوة الانتصار العسكري السريع، الحديث عن "إعادة البناء"، والتقليل من تعقيدات اليوم التالي. كما حذّرت من أن الاعتقاد بأن إزالة شخص واحد كفيلة بتغيير نظام متجذّر هو الخطأ نفسه الذي ارتكب في بغداد.
أما ذا ناشونال إنترست فوصفت عملية فنزويلا بأنها "تشبه العراق... لكن مع قدر أكبر من الارتباك"، مشيرة إلى غياب خطة واضحة لإدارة البلاد، وتهميش الكونغرس، وتجاهل القانون الدولي، وهي عناصر كانت حاضرة أيضا في الطريق إلى حرب 2003.

النفط مرة أخرى.. الوعد الذي يطارد التجربتين

أعادت تصريحات ترامب حول "الاحتفاظ بالنفط" مباشرة إلى الأذهان الادعاءات التي سبقت غزو العراق، عندما قيل إن عائدات النفط ستغطي كلفة الحرب.
شددت تقارير فورين بوليسي وذا هيل على أن هذا الوعد ثبت فشله تاريخيا، إذ كلّفت حرب العراق الولايات المتحدة تريليونات الدولارات، ولم يموّل النفط لا الاحتلال ولا إعادة الإعمار.
في الحالة الفنزويلية، يحذّر محللون من السيناريو نفسه: بنية نفطية متهالكة، حاجة إلى استثمارات ضخمة، وبيئة أمنية غير مستقرة، ما يجعل فكرة "النفط الذي سيدفع ثمن التدخل" أقرب إلى الوهم منها إلى الخطة الواقعية.

حمل التطبيق

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة

© 2026 blinx. جميع الحقوق محفوظة