كيف تصفع واشنطن الصين ببراميل فنزويلا؟
تحوّلت براميل فنزويلا "الخاضعة للعقوبات" إلى عنوان سياسي واقتصادي في واشنطن. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعلن أن السلطات المؤقتة في فنزويلا ستسلّم الولايات المتحدة ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط، على أن تُباع بسعر السوق، وأن تكون العائدات "تحت سيطرته" لضمان استخدامها "لصالح شعب فنزويلا والولايات المتحدة".
الإعلان حمل إشارات سريعة، تنفيذ "فوري" بتوجيهات لوزير الطاقة كريس رايت، وشحنات تُنقل عبر سفن تخزين إلى أرصفة التفريغ الأميركية.
لكن، هل الأمر مجرد صفقة نفط مؤقتة بأثر محدود على البنزين، أم بداية مسار يعيد توجيه صادرات فنزويلا بعيدًا عن الصين ويمهّد لعودة شركات النفط الأميركية إلى واحد من أعقد أسواق الطاقة في العالم؟
هبوط سريع في الخام.. لكن البنزين قصة أخرى
السوق تلقت الإشارة مباشرة. وفق CNBC، تراجعت العقود الآجلة للخام الأميركي 1.3% إلى 56.39 دولارا للبرميل عقب إعلان ترامب.
لكن CNN تضع سقفًا لتوقعات المستهلك، حتى لو بدت 30-50 مليون برميل "كمية كبيرة"، فإن الولايات المتحدة استهلكت خلال الشهر الماضي ما يزيد قليلًا على 20 مليون برميل يوميا.
وتضيف الشبكة أن الكمية قد تخفض أسعار النفط قليلا، لكنها على الأرجح لن تخفض أسعار البنزين كثيرا.
من المخزون إلى المصافي.. ووقت غير محسوم
في التفاصيل التشغيلية، نقلت CNN عن مسؤول كبير في الإدارة الأميركية، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، أن النفط "جرى إنتاجه بالفعل ووُضع في براميل"، وأن معظم هذه الكمية موجودة حاليًا على متن قوارب، وستتجه الآن إلى منشآت أميركية لتكريرها.
وهناك تقديرات تفيد بأنّ قدرة التخزين لدى فنزويلا تبلغ نحو 48 مليون برميل وكانت ممتلئة تقريبًا، فيما كانت ناقلات تنقل ما بين 15 و22 مليون برميل وفق تقديرات القطاع.
أما زمن التسليم، فغير واضح. CNN تقول إنه "ليس واضحًا خلال أي فترة زمنية" ستسلّم فنزويلا النفط إلى الولايات المتحدة. وينقل التقرير عن المسؤول أن النقل سيتم بسرعة لأن الخام الفنزويلي "ثقيل جدًا" ولا يمكن تخزينه لفترة طويلة، قبل أن يردّ خبير آخر، أندرو ليبو، بأن النفط لا "يفسد" سريعًا إذا لم يُكرّر ضمن فترة محددة.
تحويل المسار بعيدًا عن الصين
بلومبرغ وصفت الخطوة بأنها "تصعيد ملحوظ" في سعي واشنطن لتوسيع نفوذها الاقتصادي في فنزويلا وخارجها بعد القبض على نيكولاس مادورو خلال عطلة نهاية الأسبوع، واعتبرتها "ضربة للصين" التي كانت سابقًا أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي وشريكًا مقرّبًا.
ورويترز تذهب أبعد في التفاصيل، ٥ مصادر قالت إن مسؤولين في كاراكاس وواشنطن يناقشون تصدير النفط الخام الفنزويلي إلى مصافي التكرير في الولايات المتحدة، في صفقة من شأنها تحويل الإمدادات بعيدًا عن الصين، ومساعدة شركة النفط الحكومية PDVSA على تجنب خفض الإنتاج بشكل أكبر.
وتضيف أن هذه المحادثات تأتي بعد حصار فرضه ترامب على الصادرات منذ منتصف ديسمبر، ما ترك ملايين البراميل محمّلة على ناقلات وفي صهاريج تخزين من دون القدرة على شحنها.
ورويترز تسأل كيف ستحصل PDVSA الخاضعة للعقوبات على إيرادات مبيعات النفط، في ظل استبعادها من النظام المالي العالمي وتجميد حساباتها ومنعها من إجراء معاملات بالدولار. وتعرض آليات مطروحة، مزادات للمشترين الأميركيين لتقديم عروض شراء، وإصدار تراخيص أميركية لشركاء PDVSA قد تُفضي إلى عقود توريد، مع إشارة إلى أن بعض الشركات بدأت الاستعدادات لاستقبال شحنات فنزويلية مجددًا.
البيت الأبيض يفتح الباب.. والسوق تضع شروطها
في واشنطن، تتقدّم "عودة الشركات" إلى الواجهة بالتوازي مع حديث الشحنات. رويترز نقلت عن ٣ مصادر مطلعة أن رؤساء شركات النفط الأميركية من المتوقع أن يزوروا البيت الأبيض "في وقت مبكر" لمناقشة الاستثمارات في فنزويلا، بينما ذكرت CNBC نقلًا عن وول ستريت جورنال أن ترامب يخطط للقاء ممثلين عن شيفرون وكونوكو فيليبس وإكسون موبيل ومنتجين محليين آخرين يوم الجمعة لبحث استثمارات كبيرة في قطاع النفط الفنزويلي.
لكن CNN تقدّم خريطة طريق معاكسة للحماس السياسي:
- تبدأ من سيادة القانون والأمن بعد اتهامات السرقة وتخريب البنية التحتية
- مرورًا بالاستقرار السياسي طويل الأمد في مشروع قد يحتاج أكثر من عقد لاسترداد كلفته
- وصولًا إلى رفع العقوبات وتعديل قوانين النفط والضرائب والإتاوات
- ثم تسديد الديون والتعويضات المرتبطة بمصادرات 2007 التي طالت شركات كبرى
- وأخيرًا ضمانات مالية وتمويل منخفض الكلفة وشبكات أمان قد تكون حاسمة لجذب استثمارات ضخمة.
وتبرز شيفرون كنقطة اتصال عملية، رويترز تقول إنها تصدر حاليًا ما بين 100 و150 ألف برميل يوميًا من النفط الفنزويلي إلى الولايات المتحدة بموجب ترخيص أميركي، وكانت الوحيدة التي واصلت تحميل الخام وشحنه من دون انقطاع خلال الأسابيع القليلة الماضية رغم الحصار.